نشر بتاريخ: 2026/11/02 ( آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 11:35 )
عبد الغني سلامة

ما يدعو للاطمئنان بعد جريمة الكرك

نشر بتاريخ: 2026/11/02 (آخر تحديث: 2026/11/02 الساعة: 11:35)

مجموعة من المجرمين الإرهابيين تقتحم كنيسة حمود في الكرك، وتطلق النار بشكل عشوائي على أناس مدنيين أبرياء كانوا يشيّعون سيدة فاضلة من عائلة هلسة. سقط في هذه العملية الجبانة ستة شهداء وعشرات الجرحى. عملية غادرة في منتهى الخسة والجبن، وجريمة إرهابية مدانة بكل العبارات واللغات.

الجريمة لم تستهدف المسيحيين وحسب؛ بل استهدفت، أولاً، نسيج المجتمع الأردني ووحدته وأمنه، واستهدفت تاريخاً طويلاً من التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الأردني وطوائفه. أراد المجرمون شق المجتمع الأردني، وزعزعة أمنه واستقراره، وتهديد مستقبله.

رغم حجم المأساة وفداحتها، فإن في المشهد بضع نقاط تبعث على التفاؤل وتدعو للاطمئنان؛ أولها تصرف الإخوة المسيحيين على نحو حضاري وإنساني. فقد تجرعوا أحزانهم بنبل، وتعالوا على جراحهم. فلا الكنيسة ردّت بخطاب تحريضي، ولا المسيحيون قالوا: إننا مستهدفون، وتعرضنا لطعنة نجلاء، وتعالوا نتكتل وندافع عن أنفسنا «كمسيحيين». مثل هذا التوجه قد يفتح باباً للطائفية، لكنهم، عوضاً عن هذا التفكير الغرائزي، احتموا بالدولة، ولجؤوا إلى القانون، ووضعوا ثقتهم بالأجهزة الأمنية وبالقضاء الأردني، وتحدثوا بصوت واحد: نحن أردنيون أولاً، وننتمي إلى دولة وطنية.

النقطة الثانية: إن الدولة، بصفتها الرسمية، ومؤسساتها وأجهزتها وخطابها الإعلامي وشخوصها (من الملك حتى الجندي)، تصرفت جميعها كدولة وطنية تدافع عن مواطنيها، وتحارب الجريمة من حيث كونها جريمة أولاً، ولأنها استهدفت مواطنين أبرياء (تصادف أنهم مسيحيون). وكانت ستفعل الشيء نفسه لو كان المستهدفون من أي فئة أو طائفة أخرى. هذا الأمر يعزز الثقة بالدولة، ويعزز الانتماء إليها، بحيث تسود هويتها الجامعة على أي هوية فرعية. فلم يقع الأردن في الخطيئة التي وقعت فيها بعض دول الجوار، حين دخلت في حروب أهلية وفتن طائفية.

النقطة الثالثة: إن جميع الأردنيين أدانوا الجريمة ومرتكبيها، بمشاعر حزن وتضامن صادقة، باستثناء قلة شاذة تناولت القضية من زاوية طائفية، أو فهمتها برؤية سلفية جامدة. وما عدا ذلك، وقف المجتمع الأردني صفاً واحداً في وجه الفتنة وضد الإرهاب.

نأمل ألا نكتفي بمجرد الانفعال إزاء الجريمة، وإنما مراجعة الموروثات والقناعات التي جعلت بعض الفئات تتعامل مع المختلف دينياً أو مذهبياً باعتباره عدواً. وأن تُحدث الجريمة «صدمة» تهز بعض القناعات السابقة التي هيمنت لفترة من الوقت لدى فئات معينة من المجتمع، ممن تلقوا تربية وثقافة سلفية متشددة، أو كانوا يظنون أنفسهم محصنين وبمعزل عما يجري، وأن ما تعرضت له دول الجوار لن يطالهم.

هذه المرة، استشعر الجميع الخطر، وبدأ الخطاب الرسمي والشعبي يدعو إلى وأد الفتنة، والتعايش، والتسامح، وتقبّل الآخر. هذا حسن، لكن لا بد من الانتباه إلى خطورة فكرة «التسامح»، واستبدالها بفكرة «المواطَنة»؛ فالتسامح يعني تنازل القوي للضعيف، والسماح له بالعيش وممارسة حرية العبادة. وهذا مرفوض في مفهوم الدولة الحديثة؛ دولة القانون التي تمنح الجميع حقوقاً متساوية، بصرف النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، لأن المواطَنة مبنية على مبدأ الحق والمساواة. وثانياً: عند الحديث عن تقبّل الآخر، ينبغي أن نتذكر أن الآخر ليس هو المسيحي، أو الدرزي، أو أي مكوّن آخر؛ فـ«الآخر» قد يكون من نفس طائفتك ومذهبك وعشيرتك، لكنه يختلف معك في مسألة فكرية أو سياسية أو دينية. وهنا تكمن قيمة وأهمية مفهوم «تقبّل الآخر»، بوصفه شرطاً أساسياً لدولة المواطنة والمجتمع المتحضر.

سنخدع أنفسنا إذا اكتفينا بإدانة الجريمة، وتغنّينا بالتعايش الإسلامي المسيحي، وإذا اعتقدنا أن الجريمة معزولة عن سياق طويل متصل، أو توهمنا بأنها ستكون الأخيرة. فقد سبقتها جرائم عديدة في مدن مختلفة من المملكة، وبالتالي فهي ليست غريبة ولا شاذة عن أحداث سابقة في السياق نفسه.

صحيح أن يقظة الأجهزة الأمنية وجهودها المتواصلة أدت إلى إحباط عمليات عديدة، وإلى محاصرة تلك الخلايا الإرهابية النائمة، حتى إن ضباطاً ومنتسبين للأجهزة الأمنية سقطوا شهداء في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة. لكن معالجة الأمر بعقلية أمنية فقط لن تنهي هذه الظاهرة؛ لأن هؤلاء المجرمين هم نتاج بيئة فكرية متشددة قادتهم إلى هذا الفعل الشنيع. في تلك البيئة، ترعرع الفكر التكفيري والطائفي والداعشي، على يد مشايخ كانوا يعتلون المنبر في صلاة الجمعة، ويدعون جهاراً نهاراً: «اللهم عليك باليهود والنصارى...»، وبفعل الكتب التكفيرية التي تباع على الأرصفة، ومشايخ ينشطون على يوتيوب وغيره من منصات التواصل الاجتماعي، ويحرضون على الطوائف الأخرى بالتكفير والوعيد والتهديد. لدرجة أن مئات التعليقات السخيفة تظهر كلما توفي مسيحي، ويستكثر أصحابها على الناس الدعاء له بالرحمة، أو يستكثرون عليهم تهنئة أهلهم وجيرانهم بعيد الميلاد أو الفصح. هذه بيئة تكفيرية متزمتة ومتخلفة، من المتوقع أن تنتج تكفيريين وقتلة وإرهابيين. وقد أدى السكوت عنهم والتهاون معهم إلى تفشي هذا العفن الفكري.

هذه المرة، استُهدف مسيحيون، وقد سبق ذلك التحريض على كل فئة أو طائفة مختلفة في دول الجوار: الدروز، والعلويين، والأيزيديين، والأقباط، والشيعة، والسُّنّة، وحتى من يختلفون فكرياً أو مذهبياً. فهذه العقلية الأيديولوجية المغلقة لا تستوعب المختلف ولا تتقبله.

مسألة أخيرة: بحسن نية، وبهدف الإدانة، انتشرت مقولات تدين الجريمة لأنها وقعت في كنيسة، وضد أناس آمنين. طبعاً، يزداد الغضب والحزن عندما تقع جريمة في مكان عبادة، لكن الإرهاب مدان في كل مكان وزمان، حتى لو وقع في ملهى ليلي أو في الصحراء. وقتل أي إنسان مرفوض، مهما كان موقفك العقائدي والأيديولوجي منه.

جفّفوا مستنقعات الإرهاب والطائفية والتكفير.

رحم الله شهداء الكرك، والشفاء للجرحى، وخالص العزاء لذويهم ولشعب الأردن كله.