غزة… حين تمنحك السياسة بيتا مؤقتا وألما دائما
غزة… حين تمنحك السياسة بيتا مؤقتا وألما دائما
الكوفية مرّ عام على تلك “العودة” التي قُدِّمت لنا بوصفها نهايةً للنزوح، فإذا بها فصلًا جديدًا منه. عام كامل على لحظة صدّقتُ فيها—بسذاجة المواطن الذي لم يتعلّم بعد—أن الألم يمكن أن يُغلق ملفه، وأن للنزوح تاريخ انتهاء صلاحية. كنتُ أظن أنني محظوظ، لا لأنني نجوت، بل لأن بيتي نجا، ولم أكن أدرك أن نجاته لم تكن إلا خللًا مؤقتًا في نظام القصف، أو خطأ حسابيًا سرعان ما سيُصحَّح.
في غزة، لا يُسمح للبيوت أن تصمد طويلًا، لأن صمودها يُربك الرواية، ويُضعف منطق “الضرورة العسكرية”، ويُفسد صورة الدمار الشامل المطلوبة لإدارة القطاع كمسألة إنسانية لا كقضية سياسية. وهذا وحده كافٍ في غزة ليُمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالأمان.
عدتُ يومها وأنا أُقنع نفسي أن الخيمة صارت من الماضي، وأن آلة التدمير الإسرائيلية قد اكتفت، وأن السياسة—للمرة الأولى—ستتصرّف كشيء له ذاكرة أو ضمير. تصوّرت أن عامًا ونيفًا من التشرد كافية لاستنفاد العقاب، وأن ما تبقّى هو حياة “شبه طبيعية”، كما يحب السياسيون وصف ما لا يُحتمل.
سرتُ المسافة الطويلة إلى غزة على قدميّ بلا تعب. كانت خطواتي تتسارع كلما اقتربتُ من المدينة التي لا تشبه المدن. غزة ليست مكانًا بقدر ما هي حالة عصبية مزمنة. مدينة رومانسية بطريقتها الفوضوية، تشبه ثورة بلا قيادة وبلا برنامج، لكنها عنيدة بما يكفي لتبقى. مدينة بلا إيقاع، بلا انتظام، وبلا وعد. تكرهها لأنك تُستنزف فيها، وتحبها لأنك لا تعرف نفسك خارجها. تلعنها في السر، وتشتبك علنًا مع كل من ينتقدها، وكأن الدفاع عنها دفاع عن بقاياك الشخصية.
في البيت، وجدتُ أمي تنتظرني، برجل مبتورة، واقفة كأنها تلخّص المعادلة الفلسطينية كلّها: نخسر الجسد لنحفظ الذاكرة، نُضحّي بالجزء لنُنقذ المعنى. لم تقل شيئًا، لكن حضورها قال كل شيء: البيت بقي، لأن أحدًا دفع ثمن بقائه. لحظة مكتملة إنسانيًا، ظننتُها مكافأة نهاية الخدمة عن عام من النزوح.
لكن في غزة، لا تكتمل الأفراح. الفرح هنا بند مؤقت في اتفاق لم نوقّعه. بعد أشهر قليلة، ابتسم لنا القدر ابتسامة سياسية مألوفة، ابتسامة صفراء تشبه بيانات “القلق العميق”. قال لنا دون كلمات: انتهى الوقت المستقطع. انتهت المهلة الإنسانية. عودوا إلى حياتكم الأصلية… حياة النزوح الدائم. فالبيت ليس حقًا، بل استثناء. والاستقرار ليس هدفًا، بل خطأ في الحسابات.
هكذا تعلّمنا أن النزوح في غزة ليس نتيجة الحرب فقط، بل جزء من إدارتها. سياسة كاملة تُدار على مهل: تدمير، ثم هدنة، ثم عودة محسوبة، ثم اقتلاع جديد. كأن المطلوب أن نبقى دائمًا في منتصف الطريق—لا لاجئين بالكامل، ولا مواطنين بما يكفي. أجساد متحركة تُستخدم لتعديل المشهد، وتوازن الأرقام، وتغذية الخطاب الإنساني العالمي.
وها أنا أعود إلى غزة في التاريخ ذاته، السابع والعشرين من يناير، لكن هذه المرة بلا أمل، وبلا انتظار، وبلا أوهام. أعود وأنا أعرف أن العودة هنا لا تعني الاستقرار، بل إعادة إدخالنا إلى الحلقة ذاتها. ففي هذه البلاد، حتى البيوت التي تنجو لا تُمنح صفة الوطن، بل تُعامل كاستراحة محارب” قبل الجولة التالية.
في غزة، لا تُرتكب الجريمة مرة واحدة، بل تُدار على مراحل، وتُغطّى بتقارير، وتُسوَّق كأزمة إنسانية. أما نحن، فمجرد تفصيل قابل للإزاحة في هندسة نزوح مفتوح ... في غزة، لا نُهزم مرة واحدة، بل نُدار سياسيًا إلى ما لا نهاية. وهذا، ربما، هو الشكل الأحدث للهزيمة...!!!