نشر بتاريخ: 2026/01/13 ( آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 21:14 )
بهاء رحال

وحدها والقدس أمامها

نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 21:14)

الكوفية تنظر إليها بملء الفؤاد، ما كذب الفؤاد ما رأى، وعينها مرآة الحقيقة، وقلبها دقّات حنين فتاة يافعة، هادئة ووادعة، وعلى خصرها وشم الأبد. جنّيّة في عشقها، تستوحي من مكانها وزمانها ما يشبه الحلم الرهيب في عالم غريب، رسمته هذه المسافة المقطوعة بالجدار والحصار وقوانين الوقت المشتبك مع الاحتلال وقطعان مستوطنيه الأغراب. تواسي نفسها ببقايا الأمل على احتمال الأقدار في اضطرار الزمن المرتبك، الهاجم بالحزن من كل الجهات، ومن مكانها القريب ترى ما لا تراه أعين الأغراب، وتقرأ شوّآهد المكان بقلب الغزالة، وبصيرتها دليل خطاها التي تسير لتجسّ أثر الزمان، وتتحسّس نقوشًا على الجدران، وفي الأزقّة، وتحت الأقواس، وعند العتبات والمصاطب، نحتًا من وصايا الأولين.

قلبها قلب غزالة يرقص فرحًا على عشب المسافة الواصلة بينها وبين السور القديم، والصخرة ببريقها تلمع لتضيء عرش الجميلة في مكانها، ومن تحتها سلوان تدفع عنها غول الطغاة، وتمسك بالصبر حتمًا في المصير المشترك، وتبسط نفسها كما لو كانت تنحني لجلالة المقدّس فوقها، كأنّها مهدٌ تجلّى فاستحقّت اسمها الذي في معناه، ما يُذهب الحزن ويبعث الأمل والسكينة في سماء الوجد.

على الضفة الأخرى تقف في مواربة مستعدة، وهي تدير ظهرها لكلّ ما هو غريب، وكلّ ما هو طارئ، وترقب أثر فراشة ترقص فرحًا بشمس الشتاء الدافئة على السور القديم، وتأخذ نفسًا عميقًا كما لو أنّها تعيد التوازن لرئتيها الحزينتين، فالهواء المقدّس يمر خفيفًا، يغسل أوجاع القلب، ويزيل غبار الألم عن النفس المتعبة.

وحدها والقدس التي تراها بعين الحقيقة وبصيرة قلبها، والصورة انعكاس ناظرها، والبصر مرآة الضوء البهي، والكلام محاولة رصد دهشة نفسٍ رأت، ومحاكاة عابرة لزمانها المنكس وحاضرها الصعب، فما تخبئه الروح أبهى من واقع الحصار الرث، ومن كل المؤقت في خريف الحزن.

المدن أنثى

البلاد التي أنجبتنا أنثى

العواصم التي تحفظ مهابتها أنثى

وأنا التي أراقب بعين الصبر والامتنان أنثى

وحدها والقدس أمامها مرآة حظ الأبد، تهبط إليها الروح ويصعد الفؤاد في التجلي، كلما ضحكت لها استجار خاطرها، وتدلّت المعاني من أسوارها، وابتسم القلب، قلبها، قلب الغزالة الذي يرقص فرحًا كلما نظرت إليها.

قبةٌ وقِبلةٌ تُقابل وجهَ الفتاة التي كانت وحدها والقدس أمامها، فابتسمت برجفة الشفاه ورقص قلبها مثل الغزالة.