مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، تتصاعد المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السيطرة على المجلسين، وسط انقسام بشأن عدد من القضايا الداخلية والخارجية. وتشمل الانتخابات جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، ونحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ، فيما يحتفظ الجمهوريون، حزب الرئيس دونالد ترامب، بأغلبية ضئيلة في كلا المجلسين.
ويعكس الإنفاق القياسي على الحملات الانتخابية حدة المنافسة وأهميتها الاستثنائية، إذ تشير التقديرات إلى أن الإنفاق على الدعاية السياسية في هذه الدورة سيصل إلى 11.6 مليار دولار، متجاوزاً الإنفاق المسجل خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
ورغم إنفاق الجمهوريين مبالغ أكبر من الديمقراطيين، ترجح استطلاعات الرأي فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس النواب، كما تمنحهم فرصة حقيقية للمنافسة على مجلس الشيوخ.
استطلاعات الرأي
تكشف استطلاعات الرأي عن تسع قضايا متفاوتة التأثير تسيطر على معركة انتخابات التجديد النصفي، يتصدرها الاقتصاد وتكاليف المعيشة.
ووفقاً لمسح أجراه مركز "بيو" للأبحاث خلال الفترة من 28 سبتمبر (أيلول) إلى 4 أكتوبر (تشرين الأول)، يرى نحو 84% من الناخبين الأمريكيين المسجلين أن الاقتصاد "مهم للغاية" في تحديد تصويتهم. وقال 51% من الناخبين إنهم يثقون بقدرة الديمقراطيين على التعامل مع الاقتصاد، مقابل 45% للجمهوريين، وفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز".
الاقتصاد وتكاليف المعيشة
أصبحت أسعار السلع والقدرة على تحمل التكاليف، من القضايا الاقتصادية المحورية في الانتخابات الحالية، إذ ينظر أغلب الناخبين إلى الاقتصاد من منظور أسعار السلع والخدمات.
وبلغ متوسط سعر غالون البنزين في مطلع الأسبوع الحالي 4.29 دولار، مقابل 3.06 دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. كما تجاوزت أسعار الفائدة على القروض العقارية 7% خلال الشهر الماضي، للمرة الأولى منذ نحو عامين.
ويحمّل المرشحون الديمقراطيون الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الواردات والحرب مع إيران، مسؤولية ارتفاع الأسعار، ويتعهدون بالعمل على إنهاء كليهما.
في المقابل، يروّج المرشحون الجمهوريون لقانون ترامب لخفض الضرائب لعام 2025، الذي تضمن إعفاءات ضريبية على الإكراميات وأجور العمل الإضافي ومزايا تقاعد الضمان الاجتماعي.
الحرب مع إيران
تأتي الحرب مع إيران في المرتبة الثانية بين القضايا المؤثرة في الانتخابات. وأظهر أحد استطلاعات الرأي معارضة نحو 65% من الناخبين الأمريكيين للحرب التي يشنها ترامب ضد إيران، مقابل تأييد 33%.
ويهاجم المرشحون الديمقراطيون الحرب، معتبرين أنها تفتقر إلى الدعم الشعبي، وباهظة التكلفة، ولا تملك نهاية واضحة.
كما أثارت الحرب انقسامات داخل الحزب الجمهوري، إذ عارض بعض المرشحين، سراً أو علناً، موقف ترامب، الذي خيّب آمال بعض داعميه بعدما خاض حملته الرئاسية تحت شعار "أمريكا أولاً"، متعهداً بتجنب الدخول في حروب جديدة.
وقال كين باكستون، المدعي العام لولاية تكساس والمرشح الجمهوري في الانتخابات، في تسجيل صوتي مسرّب، إن الحرب وارتفاع الأسعار يشكلان عبئاً على حملته الانتخابية. كما دعا مرشحون جمهوريون آخرون إلى إنهاء الحرب فوراً.
الفساد
يأتي الفساد الحكومي في المرتبة الثالثة، في ظل تراجع الثقة بالحكومة. وأظهر استطلاع أجراه مركز "غالوب" أن 89% من الأمريكيين البالغين يعتقدون أن الفساد الحكومي منتشر.
وبلغت النسبة بين الناخبين الديمقراطيين 91% خلال العام الحالي، مقارنة مع 57% فقط أثناء حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة في عهد الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن.
ويربط مرشحون ديمقراطيون وبعض الجمهوريين ارتفاع الأسعار بالفساد الحكومي، متهمين أعضاء في الكونغرس ومسؤولين في الحكومة الفيدرالية بجمع ثروات شخصية على حساب المواطنين الذين يكافحون لتوفير احتياجاتهم الأساسية. كما تتزايد الدعوات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى حظر تعامل أعضاء الكونغرس في البورصة.
مستقبل الديمقراطية
يمثل مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة القضية الرابعة المثيرة للجدل في الانتخابات الحالية. وأشار استطلاع أجراه مركز "بيو" خلال الفترة من 28 سبتمبر (أيلول) إلى 4 أكتوبر (تشرين الأول) إلى أن 85% من الناخبين الديمقراطيين و69% من الجمهوريين يرون أن "مستقبل الديمقراطية مهم جداً" عند التصويت في انتخابات انتخابات التجديد النصفي.
ويصف قادة الحزب الديمقراطي ترامب بأنه يمثل تهديداً وجودياً للديمقراطية، مستشهدين بتكرار مزاعمه بأن خسارته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 أمام جو بايدن كانت نتيجة التزوير، وبادعاءاته أن التصويت عبر البريد يشهد عمليات احتيال واسعة.
كما يتهم قادة الحزب ترامب باستخدام أساليب استبدادية لترهيب خصومه السياسيين والأقليات، من خلال خطاب عدائي على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفعاليات السياسية.
الصحة
تأتي الرعاية الصحية في المرتبة الخامسة بين القضايا الانتخابية. ويشعر ستة من كل عشرة ناخبين بالقلق من ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فيما يرى نحو نصف الناخبين أن تحديد المرشحين مواقفهم من هذه القضية "مهم للغاية"، وفقاً لمسح أجرته مؤسسة "كيه إف إف" المعنية بمتابعة قضايا الصحة في الولايات المتحدة.
وبحسب المسح، يثق 42% من الناخبين بموقف الديمقراطيين من الرعاية الصحية، مقابل 22% للجمهوريين.
ويركز العديد من المرشحين الديمقراطيين التقدميين في حملاتهم الانتخابية على الدعوة إلى نظام تأمين صحي شامل تديره الحكومة ليحل محل التأمين الخاص، في حين يدعم ديمقراطيون وسطيون، مثل النائبة ماري جلوسينكامب بيريز من ولاية واشنطن والنائبة السابقة إيلين لوريا من ولاية فرجينيا، التحسين التدريجي لنظام الرعاية الصحية الميسرة.
أما المرشحون الجمهوريون، فيركزون بدرجة أكبر على مكافحة الاحتيال في قطاع الرعاية الصحية، معتبرين أن أي نظام شامل تديره الحكومة سيؤدي إلى زيادة سيطرتها على القطاع ورفع الضرائب.
الهجرة والحدود
تأتي الهجرة وأمن الحدود في المرتبة السادسة. وقد أسهمت هذه القضية في فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية السابقة، لكن سياساته المتشددة وحملات ملاحقة المهاجرين الواسعة أثارت غضباً شعبياً ودعوات إلى الحد من صلاحيات وكالة الهجرة والجمارك الفيدرالية.
وتظهر استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في التأييد الشعبي لسياسات ترامب المتعلقة بالهجرة وأمن الحدود. وأظهر استطلاع أجرته شبكة "إن بي سي نيوز" ومركز "تيليموندو" أن 69% يعارضون سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة، مقابل تأييد 30%، فيما يعارض 58% سياساته بشأن أمن الحدود، مقابل تأييد 39%.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
يمثل التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتوسع في بناء مراكز البيانات القضية السابعة في الانتخابات، وهي من الملفات المستجدة في المعركة الانتخابية.
وتثير مراكز البيانات مخاوف بسبب استهلاكها كميات كبيرة من الكهرباء والمياه، وحاجتها إلى مساحات واسعة من الأراضي.
كما يشعر الناخبون بالقلق من تأثير التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي على سوق العمل. وفي حين يعبر الديمقراطيون عن مخاوفهم من انعكاسات هذه التكنولوجيا ومراكز البيانات على الحياة اليومية للأمريكيين ووظائفهم، يدعم ترامب التوسع فيها، معتبراً أن الولايات المتحدة تحتاج إلى التفوق على الصين في هذه التكنولوجيا التي يُتوقع أن تعيد تشكيل المجتمعات.
ويعارض عدد من المرشحين للكونغرس من الحزبين إقامة مراكز بيانات جديدة في دوائرهم الانتخابية. ومن بينهم السيناتور السابق شيرود براون، المرشح الحالي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، الذي يتهم منافسه الجمهوري، السيناتور الحالي جون هوستيد، بالمساعدة في جذب مراكز البيانات إلى الولاية من خلال الحوافز الضريبية التي قدمها عندما كان نائباً لحاكم أوهايو.
هاجس الضمان الاجتماعي
يمثل الضمان الاجتماعي مصدر قلق رئيسياً للناخبين الأكبر سناً، الذين يخشون على استقرار البرنامج الذي يوفر دخلاً شهرياً للمتقاعدين وأفراد أسر العمال المتوفين والأشخاص ذوي الإعاقة.
وتشير التوقعات إلى أن الصندوق الرئيسي المخصص لتمويل مزايا التقاعد والورثة سيستنفد احتياطياته المالية بحلول عام 2032، فيما لن تكفي إيراداته، بحلول ذلك الوقت، إلا لتغطية 78% من قيمة هذه المزايا، ما لم يتدخل الكونغرس.