«حماس» وأكتوبر وفهم التاريخ ..!
نشر بتاريخ: 2026/10/09 (آخر تحديث: 2026/10/09 الساعة: 17:12)

لم تفهم حركة حماس بعد أن هناك إجماعاً بين الفلسطينيين على رفض الاحتلال وأنه لا يمكن التعايش معه، فهو يختلف عن أي احتلال سابق، فغيره لم يكن يحمل أيديولوجيا عنصرية تجاه الآخر بثقافة استعلائية من الصعب قبولها.

وهذا أمر متفق عليه بين كل الفصائل والأحزاب والنخب، فالاحتلال الإسرائيلي يحمل في بطنه كل عوامل رفضه ونبذه وكل دوافع الكفاح ضده.

و»حماس» تحاول أن تتهم خصومها بالتعايش أو قبول رواية الاحتلال محاوِلة أن تتحدث بالكليات المريحة، فتوضيح الخلاف على الجزئيات يضعها أمام اتهام تاريخي خاصة أنها جاءت بعد تجربة فلسطينية وبدلاً من أن تستكمل مشواراً طويلاً أحدثت قطعاً مع التاريخ الفلسطيني من منطق شطب كل ما سبق والبدء من جديد، وحين اكتشفت فداحة الفكرة ترفض أي ملاحظة نقدية وتتهم خصومها بخدمة إسرائيل وبديماغوجيا لا تليق بالحدود الدنيا للسياسة.

حدثت كارثة بفعل اعتقادات لدى قيادة قوة دينية اتكأت على الأيديولوجيا لتستولد منها برنامجاً سياسياً تجاوز الواقع والوقائع نحو أحلام بريئة، لكنها كانت كفيلة باستدعاء هزيمة أكثر صعوبة من النكبة انتهت بتدمير مجتمع واحتلال المكان وتجميع ما تبقى من الناس في الخيام في قطعة أرض صغيرة بعد قتل الاحتلال وإصابة 10% من سكان القطاع وتوقف التعليم وتجريف كل شيء.

لكن الأهم هو إصابة المجتمع كمؤسسة إصابة بالغة هذا شديد الوضوح لمن لديه عينان وأذنان وحد أدنى من العقل.

وكنت أظن أن رئيس التحرير في الجريدة قد سئم من فقرة تكررت في مقالاتي عن خطورة خلط الدين بالسياسة وأن الدين منظومة قيم ثابتة وأن السياسة متحركة.

وهنا يتجسد خوفي الدائم حين تم تثبيت السياسة وفقاً للمقاس الديني ووعد الآخرة فكان الخراب.

الأزمة أن خطاب الحركة بعد ثلاث سنوات من أكبر قرار خاطئ في التاريخ الفلسطيني ما زال كما هو، وما زالت تدافع عنه رغم كل الكوارث التي نتجت عنه. وهنا الحديث عن تداعيات السابع من أكتوبر حيث اختيار المنازلة مع إسرائيل في المكان الذي تجيده الدولة التي تعتبر حاملة طائرات أميركية ترسو على اليابسة، ومدججة بفكرة كراهية الآخر وخاصة الفلسطيني وتبحث عن وسائل إخراجه من الأرض.

ويمكن أن نفهم أن عدم مراجعة الخطاب يتعلق بانهيار المؤسسة حين تجد نفسها أمام حقيقة كارثية صنعتها لنفسها، حينها كما يقول علم النفس تستنفر المصدات الدفاعية مستخدمة وسيلة الإنكار في سبيل الحفاظ على توازنها، ومن هنا يأتي خطاب حماس مركزاً على لحظة تدغدغ العقل الفلسطيني الذي يتوق للنصر وهي لحظة عبور قواتها الحدود الشرقية متجاهلة تماماً كل الكوارث التي نتجت بعد ذلك العبور بل تهاجم من يتحدث عنها باعتباره أقرب للعدو منها .... ما هذا ؟

هنا تظهر أزمة أبعد عن طبيعة فهم الجماعة الفلسطينية لواقعها لتجاوز الأزمة.

فهناك انشقاق فكري سياسي خطير بين من يقف على مأساته معترفاً بواقع حدث وكيف الخروج منه، ومن ينكر تماماً ما حدث كمأساة بل يعتبره ممارسة طبيعية بغض النظر عن الكارثة لأنه المتسبب بها.

وفي رفض رؤية الواقع تبرز أزمة فهم السياسة لدى جزء من الجماعة الفلسطينية رغم أن هذا الانشقاق أقل حدة بين الغزيين الذين يعيشون واقعاً يومياً يمعن في العذاب باستثناء النواة الأكثر صلابة لحماس المضطرة لأن تعيش الإنكار. لكن غزة تتفق على توصيفها للمأساة.

لنذهب بعيداً في الاستفادة من التجارب الكونية رغم أن لا تجربة تشبه أخرى فلكل منها فرادتها وخصوصياتها.

ولكن التاريخ يتشابه أحياناً في عمومياته، إذ لدينا تجربتان ذهبتا بعيداً في استخدام القوة، كانت محمولتين على عقيدة تحمل قدراً كبيراً من الشعور بالصفوة.

الأولى هي التجربة اليابانية التي قامت بمغامرة ضرب ميناء بيرل هاربر دون أن تحسب ردة الفعل الأميركية التي تمكنت من حسم الحرب العالمية الأولى والثانية فانتهت بهزيمة اليابان وإذلالها، والتجربة الثانية هي تجربة هتلر باجتياحه إقليم سوديت التشيكي دون أن يدرك حجم القوة المقابلة أوروبياً وأميركياً لتنتهي بإذلال ألمانيا. لكن هذا ليس المهم فكثير من الأمم تعرضت للهزيمة والإذلال لكن الأهم في إطار بروز انشقاق الجماعتين اليابانية والألمانية.

وهو السؤال الافتراضي كي نحدد اللحظة وإمكانية تجاوز الراهن.

ماذا لو عاندت الطغمة العسكرية اليابانية الواقع بعد ضرب مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية واقع الكارثة وظلت تبرر متوقفة عند عبقرية ضرب ميناء بيرل هابر، كيف سيكون الحكم عليها وكيف ستكون حالة اليابان لو قامت تلك الطغمة باستمرار تحريض الشعب الياباني على صوابية ما فعلت.

هل ستنهض اليابان أم ستظل أمة مفتتة وبمزيد من الانحطاط بدل تلك العظمة التي شهدتها بعد إزاحة تلك الطغمة ؟.

وكذلك ماذا لو استمر الحزب النازي مشكلاً جزءا من المجتمع الألماني واستمر بتحريض جزء من الشعب الألماني بأنه يمثل كرامة الأمة وما فعله من الذهاب بعيداً في القوة هو الصواب وأن العالم تآمر عليه مستمراً في صناعة انقسام فكري بين الألمان.

هل كانت ألمانيا ستخرج من أزمتها أم ستبقى أسيرة مفهوم قاصر لجزء من الجماعة يصر على إنكار الواقع ويتسبب باستمرار الانشقاق ويمنع الانطلاق ؟

التجارب لا تتشابه وإسرائيل دولة احتلال والكفاح الفلسطيني ضرورة للتحرر ولكن ليس على النمط الانتحاري. لكن في العموميات صنع التاريخ نظرياته عندما تتجاوز القوة حدودها فإنها تستدعي لنفسها الهزيمة. فهل يمكن فهم التاريخ والاستفادة من تجاربه.