خاص|| 7 شروط تهز حركة فتح.. تيار الإصلاح يرسم طريق الوحدة والكرة في ملعب عباس
نشر بتاريخ: 2026/08/26 (آخر تحديث: 2026/08/27 الساعة: 07:43)

لم يكن اللقاء الأخير بين وفدي حركة فتح وتيار الإصلاح الديمقراطي مجرد اجتماع لكسر سنوات من القطيعة، بقدر ما حمل معه اختباراً سياسياً حقيقياً لإمكانية فتح صفحة جديدة داخل الحركة، في ظل مبادرة طرحها نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي، القائد سمير المشهراوي، تحت عنوان «الشروط السبعة»، باعتبارها خارطة طريق قابلة للتنفيذ لمعالجة آثار الانقسام الفتحاوي وإعادة بناء الحركة والنظام السياسي الفلسطيني.

ورغم أن اللقاء حمل مؤشرات إيجابية باعتباره أول لقاء علني بين قيادات من اللجنة المركزية لحركة فتح وقيادات تيار الإصلاح منذ سنوات طويلة، فإن نتائجه، وفق تقديرات تحدثت بها مصادر سياسية لـ«الكوفية»، لم ترقَ إلى مستوى التوقعات، خصوصاً مع غياب مقترحات عملية جديدة من جانب وفد حركة فتح، بحسب ما ذكر القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي رشيد أبو شباك.

7 شروط.. من رد الحقوق إلى إعادة بناء النظام

المبادرة التي طرحها المشهراوي لا تتوقف عند معالجة ملفات تنظيمية عالقة، وإنما تتدرج من رد الحقوق وإنهاء آثار القرارات السابقة إلى إعادة بناء حركة فتح على أسس مؤسسية، وصولاً إلى إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.

وتتمثل الشروط السبعة في:

1. إلغاء قرارات الفصل والطرد وإعادة الحقوق التنظيمية لكافة الكوادر.

2. إنصاف المتضررين فورياً وإلغاء قرارات قطع الرواتب الجائرة.

3. إعادة الاعتبار للكادر الفتحاوي ودمجه بما يضمن وحدة حركية حقيقية.

4. إنهاء سياسة التهميش وعدم احتكار القرار الفتحاوي من قبل أشخاص.

5. إعادة بناء حركة فتح على أساس النظام والمؤسسات لا الأشخاص والمصالح.

6. إطلاق حوار وطني شامل لا يستثني أي فصيل فلسطيني.

7. إعادة بناء منظمة التحرير وتطويرها لتشمل كافة القوى الفلسطينية.

وهنا تكمن أهمية المبادرة؛ فهي، وفق أستاذ العلوم السياسية الدكتور أيمن الرقب، لا تمثل مجرد مطالب تنظيمية، وإنما «خريطة طريق متكاملة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي والوطني الفلسطيني» ومعالجة حالة الانقسام والأزمة السياسية التي يعيشها النظام الفلسطيني.

وهو ما أكده الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور سفيان أبو زايدة، حيث شدد على أن قضية توحيد حركة فتح لا تقتصر على الحقوق الشخصية، بل تحمل بعداً وطنياً وتنظيمياً أوسع، باعتبار أن وحدة فتح تشكل، وفق تقديره، مقدمة لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني وترتيب البيت الداخلي.

البداية من الحقوق.. والنهاية عند المؤسسة

يركز الشق الأول من المبادرة على الملفات التي شكلت جوهر الخلاف داخل الحركة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها قرارات الفصل والطرد وقطع الرواتب والحقوق التنظيمية.

ويؤكد أبو شباك أن هذه القرارات ذات طبيعة إدارية وتنظيمية، ولم تستند، بحسب وصفه، إلى نظام داخلي أو إجراءات أمام محكمة حركية، معتبراً أن الجهة التي أصدرتها تملك القدرة على إلغائها ومعالجة آثارها.

ويتحدث القيادي في تيار الإصلاح عن أكثر من 600 شاب من أبناء الحركة تم وقف رواتبهم، معتبراً أن إنصافهم وإعادة حقوقهم يمكن أن يشكلا خطوة عملية تفتح الطريق أمام مصالحة داخلية حقيقية.

ويشير الرقب إلى أن آلاف الكوادر والقيادات تعرضوا، بحسب وصفه، لإجراءات ظالمة وغير قانونية، مؤكداً أن إعادة الحقوق التنظيمية والمالية ووقف استخدام الرواتب كأداة للضغط السياسي تمثل ركناً أساسياً لأي مصالحة جادة.

لكن المبادرة لا تتوقف عند معالجة آثار الماضي، بل تنتقل إلى السؤال الأهم: كيف تُدار حركة فتح في المستقبل؟

فالمطالبة بإنهاء التهميش وعدم احتكار القرار، وإعادة بناء الحركة على أساس النظام والمؤسسات، تعكس محاولة لنقل القضية من خلاف بين أشخاص إلى إعادة صياغة العلاقة داخل الحركة على قاعدة الشراكة والمؤسسة.

ويختصر الرقب هذا التصور بالتأكيد على أن حركة فتح يجب أن تبقى، بحسب تعبيره، «عمود الخيمة» والحاضنة الشعبية لأبنائها، بما يؤهلها للقيام بدورها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني وجمع مختلف مكوناته.

«خطابات الاعتذار».. مصالحة أم شرط جديد؟

ومن بين الملفات التي برزت في النقاش الداخلي، رفض تيار الإصلاح، وفق ما نقله الرقب، اشتراط تقديم «خطابات اعتذار» كمدخل لتحقيق المصالحة داخل حركة فتح.

ويرى الرقب أن فرض مثل هذه الشروط يمس كرامة الكوادر والمناضلين الفتحاويين، معتبراً أن المصالحة الحقيقية يجب أن تقوم على معالجة أسباب الخلاف ورد الحقوق، لا على فرض شروط جديدة على طرف بعينه.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل رؤية تيار الإصلاح للمصالحة باعتبارها عملية إعادة دمج سياسي وتنظيمي شاملة، وليست مجرد تسوية مؤقتة لبعض الملفات العالقة.

المقاعد الشاغرة.. هل تكفي المعالجة الجزئية؟

في المقابل، ينتقد أبو شباك طرح شغل المقاعد الشاغرة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري باعتباره صيغة لمعالجة الأزمة، معتبراً أن إعادة توزيع المواقع لا تمثل حلاً حقيقياً للخلافات التنظيمية.

ومن وجهة نظر تيار الإصلاح، فإن معالجة الأزمة تبدأ بإلغاء آثار القرارات السابقة ورد الحقوق التنظيمية والمالية للكادر، وليس بالاكتفاء بإعادة ترتيب المقاعد والمواقع داخل المؤسسات.

وهنا تظهر الفجوة بين معالجة شكلية قد تعيد توزيع المناصب، ومعالجة جذرية تستهدف إعادة بناء الثقة داخل الحركة.

لماذا الآن؟ 

السؤال الآخر الذي يفرض نفسه يتعلق بتوقيت اللقاء، خصوصاً أن محاولات المصالحة بين الطرفين لم تكن غائبة تماماً خلال السنوات الماضية.

وبحسب أبو شباك، فإن الظروف التي كانت متاحة لإنجاز المصالحة قبل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح كانت أفضل بكثير من الظروف التي أعقبته، معتبراً أن التطورات اللاحقة زادت من تعقيد الملف.

كما أشار إلى أن الحديث عن إمكانية تشكيل تحالف وطني واسع لخوض الانتخابات التشريعية كان، وفق تقديره، أحد العوامل التي دفعت نحو تحريك ملف اللقاء.

ويأتي ذلك في سياق فلسطيني شديد التعقيد، يجعل من إعادة ترتيب البيت الفتحاوي جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل النظام السياسي وشكل التمثيل الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة.

من وحدة فتح إلى وحدة النظام السياسي

هنا تتجاوز المبادرة حدود المصالحة التنظيمية داخل حركة فتح، فالشرطان السادس والسابع، المتعلقان بإطلاق حوار وطني شامل وإعادة بناء منظمة التحرير لتضم مختلف القوى الفلسطينية، يقدمان تصوراً أوسع لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

ويؤكد الرقب أن تيار الإصلاح يدعم استمرار الحوار الوطني مع مختلف الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، معتبراً أن مصلحة الشعب الفلسطيني يجب أن تتقدم على الخلافات السياسية والتنظيمية.

وبذلك، تبدأ المبادرة من معالجة الانقسام داخل فتح، لكنها تفتح في الوقت ذاته الباب أمام نقاش أوسع حول إعادة بناء منظمة التحرير وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية الفلسطينية.

المشكلة ليست في الحوار.. بل في التنفيذ

ورغم أهمية اللقاء باعتباره كسراً لحاجز القطيعة، فإن المعضلة الأساسية، وفق رؤية قيادات في تيار الإصلاح، لا تكمن في عقد اللقاءات بحد ذاتها، وإنما في قدرتها على التحول إلى قرارات عملية.

ويقول أبو شباك إن بعض القضايا التي طرحت خلال اللقاء سبق التفاوض بشأنها في مناسبات عدة، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء، دون أن تترجم التفاهمات السابقة إلى خطوات تنفيذية.

كما أعرب عن أسفه لعدم تقديم وفد حركة فتح، برئاسة حسين الشيخ، بحسب وصفه، مقترحات جديدة وعملية خلال اللقاء.

أما أبو زايدة، فيرى أن أهمية اللقاء تكمن في توقيته وكونه أول لقاء علني من هذا النوع منذ سنوات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نتائجه لم تكن بالمستوى المتوقع.

الكرة الآن في ملعب أبو مازن

في النهاية، تتقاطع مواقف المتحدثين عند نقطة أساسية، أن أهمية اللقاء لن تقاس بمجرد انعقاده، بل بقدرته على إنتاج خطوات عملية تنهي سنوات الانقسام.

ويؤكد أبو زايدة أن الوفد الذي شارك في اللقاء لم يكن مخولاً باتخاذ قرارات، وإنما استمع إلى المطالب والمقترحات المتعلقة بإنهاء حالة الانقسام الفتحاوي، مشدداً على أن القرار النهائي يتعلق بالقيادة العليا لحركة فتح.

واوضح أن "الكرة الآن في ملعب الرئيس عباس"، معتبراً أن الاستجابة للمطالب المطروحة يمكن أن تشكل مقدمة جيدة إذا انتهت إلى نتائج عملية، لأن وضع حركة فتح ووحدتها ينعكس بصورة مباشرة على المشهد الوطني الفلسطيني برمته.

ويذهب أبو شباك إلى التأكيد على أن المطلوب الآن هو الانتقال من مرحلة النقاش إلى اتخاذ خطوات عملية تنهي حالة الانقسام وتعالج الملفات العالقة.

وبينما يرى تيار الإصلاح أن «الشروط السبعة» تقدم طريقاً واضحاً لمعالجة الخلاف، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في كيفية التعامل معها، وما إذا كانت ستنتقل من طاولة الحوار إلى قرارات ملموسة.

فاللقاء كسر سنوات من القطيعة، والشروط السبعة وضعت الملفات الأساسية على طاولة الحوار، لكن السؤال الذي ينتظره الشارع الفتحاوي لم يعد متعلقاً بإمكانية عقد لقاء جديد، بل بما سيأتي بعد هذا اللقاء.

هل تتحول المطالب إلى قرارات؟ وهل تبدأ معالجة ملفات الفصل وقطع الرواتب والتهميش؟ وهل تنتقل المصالحة من مرحلة تبادل الرسائل إلى إعادة بناء الثقة والمؤسسات؟

فالكرة، وفق ما يراه المتحدثون، باتت في ملعب القيادة التي تملك قرار التنفيذ.

اللقاء أنهى القطيعة، لكن ما بعد اللقاء هو الاختبار الحقيقي، إما أن تبدأ مرحلة التنفيذ، أو تبقى المصالحة مجرد عنوان جديد لحوار قديم.