القرار السياسي بين العقل والعاطفة.. حين يدفع الغباء السياسي الشعوب إلى الهاوية
نشر بتاريخ: 2026/08/11 (آخر تحديث: 2026/08/11 الساعة: 16:10)

القرارات التنظيمية والسياسية تشبه مركبًا له شراع؛ تحركه الرياح، لكن اتجاهه لا تحدده الرياح وحدها، بل قدرة من يقوده على قراءة البحر، وضبط الشراع، واختيار المسار الآمن وسط الأمواج المتلاطمة.

وهنا تبدأ معادلة القرار السياسي: كيف نوازن بين العقل والعاطفة؟

ففي كل قرار مصيري، لا بد من دراسة دقيقة للربح والخسارة، وقراءة النتائج المحتملة قبل الإقدام عليه. العقل يضع الحسابات، والعاطفة تستحضر الانتماء والكرامة والمشاعر الوطنية، لكن المشكلة تبدأ عندما يطغى أحدهما على الآخر.

فالقرار الذي يخلو من العاطفة قد يتحول إلى حساب بارد لا يرى الإنسان، والقرار الذي تغلب عليه العاطفة قد يتحول إلى اندفاع لا يرى العواقب. وأي اختلال في هذا التوازن قد يدفع القرار إلى مسار خاطئ، تكون كلفته أكبر من قدرة الشعوب على الاحتمال.

ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته بالغباء السياسي؛ حين تتحول العاطفة إلى بديل عن التفكير، وحين يصبح التصعيد هدفًا بحد ذاته، وتتحول الشحنات الوطنية غير المحسوبة إلى قرارات تدفع الشعوب نحو حافة الهاوية.

الوطنية الحقيقية ليست في رفع الصوت، ولا في إطلاق الشعارات، ولا في اتخاذ القرارات الأكثر اندفاعًا، وإنما في القدرة على حماية الوطن وشعبه، وقراءة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

والسياسي الحكيم ليس من لا يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما من يمتلك شجاعة مراجعة قراراته، والاعتراف بخطئه عندما يتبين له أن الطريق الذي اختاره كان خاطئًا.

وهنا يبرز السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام التاريخ:

هل تعتذر القيادات التي أطاحت بالبنية التحتية لشعوبها، وأدخلتها في أزمات وحروب وكوارث، عن أخطائها التاريخية؟ أم أنها ترى نفسها ملائكة لا تخطئ، ومعصومة من الخطأ؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قيادة سياسية هو أن تفقد القدرة على مراجعة الذات، وأن تتحول الأخطاء إلى ثوابت، والفشل إلى إنجاز، والنقد إلى خيانة، والمراجعة إلى تهمة.

فالتاريخ لا يحاكم النوايا وحدها، بل يحاكم النتائج أيضًا. وقد تكون النية وطنية، لكن القرار خاطئ، وقد يكون الهدف مشروعًا، لكن الوسيلة كارثية. وفي السياسة، لا تكفي حسن النوايا عندما تكون فاتورة القرار مدفوعة من دم الشعوب ومستقبلها وأمنها واستقرارها.

لذلك، فإن الحكمة السياسية ليست انتصار العقل على العاطفة، ولا انتصار العاطفة على العقل، بل القدرة على جعلهما يعملان معًا؛ عقلٌ يقرأ الواقع، وقلبٌ يشعر بالناس، وضميرٌ يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الشخصية والتنظيمية.

بين العقل والقلب حيرةٌ في الأمر،

لكن هنيئًا لمن وازن بين الاثنين.

فالقرار السياسي الناجح ليس الذي يصفق له الناس لحظة صدوره، بل الذي يشكرون أصحابه عليه بعد أن تظهر نتائجه في المستقبل.