خاص|| أسرار تكشف لأول مرة عن مجزرة الصبرة.. كيف استشهد 112 شهيداً وتبخر الباقون؟
نشر بتاريخ: 2026/08/04 (آخر تحديث: 2026/08/05 الساعة: 00:35)

في واحدة من أكثر فصول حرب الإبادة دموية وعمقاً في قطاع غزة، خرج الألم أخيراً من تحت الركام ليعلن الوفاء لدماء طمرتها أطنان الإسمنت لمئات الأيام. فبعد أشهر طويلة من الوجع والانتظار العاجز، شيّعت جماهير قطاع غزة في جنازة تاريخية مهيبة، رفات 112 شهيداً من عشيرتي "أبو شريعة" و"الحساينة"، استُخرجت أجسادهم مؤخراً من مقبرة الركام التي خلّفها الاحتلال في حي الصبرة بمدينة غزة.

الجنازة التي شاركت فيها كافة عائلات وعشائر القطاع والمؤسسات الدولية والمحلية، لم تكن مجرد مواراة للثرى، بل كانت وثيقة حية على تصفية عائلات بأكملها، وشطبها من السجل المدني الفلسطيني بدم بارد.

ليلة الجريمة والصواريخ الانصهارية

تعود فصول المأساة إلى تاريخ 22 نوفمبر 2023؛ في تلك الليلة المروعة، اضطرت العائلات النازحة للتنقل من منزل إلى آخر تحت وطأة القصف الممنهج، حتى استقر بها الحال في منزل ابن عمهم، وزير الأشغال العامّة والإسكان السابق الدكتور مفيد الحساينة في حي الصبرة.

لَجأت العائلات إلى هناك ظناً منها أن للمنزل "حصانة سياسية" قد تحميهم من آلة الموت الإسرائيلية، إلا أن طائرات الاحتلال باغتتهم بـ 9 صواريخ انصهارية حوّلت المبنى المأهول إلى كتلة مستعرة من النيران.

وفي تصريح خاص لـ "قناة الكوفية"، وصف المختار جدوع أبو شريعة، مختار عشيرة الحساينة وأبو شريعة، تلك اللحظات القاسية قائلاً: "لقد عشنا فصولاً من القهر المطلق.. استمرت النيران مشتعلة في المنزل لثلاثة أيام متواصلة، وكان جيش الاحتلال يقصف بشكل مباشر كل من يحاول الاقتراب لانتشال الضحايا أو إخماد الحريق".

صرخات تحت الأنقاض

المأساة لم تتوقف عند لحظة الانفجار؛ بل امتدت لأيام وساعات تجرّع فيها الضحايا الموت ببطء. وفي شهادة صادمة ومؤثرة لـ "قناة الكوفية"، كشف فارس عفانة، مدير الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، عن تفاصيل تدمي القلوب لجهود طواقم الإنقاذ، مؤكداً أن عدداً من هؤلاء الشهداء كانوا على قيد الحياة لعدة أيام وساعات بعد القصف. 

وأضاف، "كنا نسمع صرخات النساء والأطفال بوضوح من تحت الركام، لكن انعدام المعدات الثقيلة اضطرنا للعمل بأيدينا العارية وبأدوات بدائية، حالت دون إنقاذهم، حتى انقطعت أصواتهم واحداً تلو الآخر وفارقوا الحياة".

وعزا عفانة هذا العجز الإنساني المأساوي إلى تعمد الاحتلال تدمير أكثر من 80% من منظومة الإسعاف والدفاع المدني والمعدات الثقيلة للبلديات، موضحاً أن المركبات المتبقية متهالكة ويعود تاريخ صنعها إلى عام 1994، وهي متوقفة الآن بالكامل نتيجة انعدام الإطارات وقطع الغيار.

الأطفال والنساء في صدارة الموت

على مدار مئات الأيام، بقيت نداءات ومناشدات العائلة الموجهة للأمم المتحدة، ومنظمة "الأوتشا"، واللجنة الدولية للصليب الأحمر حبيسة الأدراج دون أي استجابة ميدانية لأسابيع طويلة.

وقبل نحو ثلاثة أسابيع فقط، بدأت عملية استخراج الرفات بالتعاون بين الدفاع المدني والصليب الأحمر، مستمرةً لـ 20 يوماً من العمل الشاق لتتكشف الحصيلة الرقمية المفجعة لضحايا المنزل الواحد، والتي بلغت 44 طفلاً، فيما تجاوزت تحديثات طواقم الإسعاف اللاحقة الـ 47 طفلاً، إلى جانب 37 امرأة أشارت تقديرات الإنقاذ الميدانية إلى أن عددهن الفعلي يزيد عن 50 امرأة، بالإضافة إلى 7 حالات من ذوي الاحتياجات الخاصة، و9 مسنين تجاوزت أعمارهم السبعين عاماً.

ولفت مدير الإسعاف والطوارئ إلى أن هذه الجريمة تمثل نموذجاً مصغراً لكارثة كبرى؛ حيث لا يزال أكثر من 8000 شهيد مفقودين تحت الركام في مختلف مناطق القطاع، مشدداً على أن "إكرام الميت دفنه".

وحذر عفانة من جريمة موازية تتمثل في قيام جيش الاحتلال بنقل ركام المنازل المدمرة في المناطق الشرقية—بما تحتويه من جثامين—إلى جهات مجهولة، مستشهداً بـتجربته الشخصية المريرة كوالد شهيد، حيث جرف الاحتلال قبر ابنه المسعف "براء" في مقبرة مؤقتة، وحرمه حتى اليوم من العثور على جثمانه وإعادة دفنه.

أكفان توحّد الرايات

الجنازة المهيبة لشهداء عائلتي أبو شريعة والحساينة، وما رافقها من غياب تام للرايات الحزبية والتحام شعبي واسع، قرأها الخبراء كتحول جوهري في الوعي الجمعي الفلسطيني.

وفي تصريح خاص لـ "قناة الكوفية"، علّق الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عماد عمر على المشهد قائلاً: "إن ما نشهده اليوم من مشاهد دامية وجنازات تاريخية مهيبة هو التعبير الصارخ عن حجم الجريمة وحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو ضد شعبنا، هذه الكارثة الإنسانية والمعاناة لن تُمحى من الذاكرة الفلسطينية".

وتابع الدكتور عمر مفككاً الواقع السياسي ومستقبل القطاع: "أمام هذا التغول الإسرائيلي الذي لم يفرق بين ابن فصيل وآخر، نرى اليوم صحوة وطنية تتجلى في رفع العلم الفلسطيني وحده فوق الأكفان، متجاوزين الرايات الفصائلية الضيقة، هذا يؤكد أن الهم أصبح هماً فلسطينياً خالصاً، وأن أي حلول تُفرض على غزة يجب أن تكون فلسطينية بحتة بعيدة عن التقاسم الحزبي".

وثمن عمر التحركات الوطنية الحثيثة الساعية لإنقاذ الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى مباحثات القاهرة والجهود التي تُعلي المسؤولية الوطنية فوق المصالح الحزبية.

واختتم حديثه بالقول: "إن ما جرى خلال سنوات الحرب كفيل بأن يمحو كل أثر للانقسام السياسي؛ لذا ندعو القيادات الفلسطينية للتقدم خطوة للأمام ولمّ شمل شعبنا تحت مظلة العلم الفلسطيني والخطاب الموحد، لضمان حياة كريمة توفر أقل مقومات العيش لشعبنا الصامد".