هدف في الشباك وهدف في ضمير العالم
نشر بتاريخ: 2026/07/04 (آخر تحديث: 2026/07/04 الساعة: 23:02)

ليست كل الاهداف سواء فهناك هدف يمنح فريقا ثلاث نقاط وهدف يصنع بطولة وهدف يخلده التاريخ في سجلات كرة القدم لكن تبقى هناك اهداف من نوع اخر لا تسجل في الشباك بل تسجل في ضمير الانسانية ووجدان الشعوب

الكابتن حسام حسن لم يكن يوما مجرد لاعب او مدرب بل كان وسيبقى عنوانا للارادة والقتال والانتماء ورمزا من رموز الكرة المصرية التي صنعت الفرح لملايين الجماهير غير ان القيمة الحقيقية للانسان لا تختبر فقط عندما يحقق الانتصارات بل عندما يقرر ان ينحاز الى الحق مهما كانت الضغوط ومهما ارتفع ثمن الموقف

وفي زمن اصبح فيه كثيرون يحسبون كلماتهم بميزان المصالح ويخشون مجرد الاقتراب من اسم فلسطين او علمها او اي رمز يعبر عنها خرج الكابتن حسام حسن ليقول ما يؤمن به وما يؤمن به شعبه وقيادته فاهدى انجاز منتخب مصر الى الشعب الفلسطيني ولم يكن ذلك مجرد تصريح بعد مباراة بل رسالة اكدت ان الانسانية لا تزال حاضرة وان الضمير لا يزال قادرا على الانتصار على الخوف

فلسطين لم تكن يوما قضية شعب وحده بل قضية كل من يؤمن بان للانسان حقا في الحياة والحرية والكرامة وما يتعرض له الفلسطينيون لا يحتاج الى من يجمله او يبرره بل الى من يمتلك شجاعة الوقوف الى جانب المظلوم مهما اختلفت الهويات والجنسيات والسياسات

ولان الروابط بين مصر وفلسطين اكبر من حدود الجغرافيا فان العلاقة بين الشعبين لم تبن يوما على المصالح العابرة بل على التاريخ والدم والمصير المشترك فمنذ عقود طويلة ظل الشعبان يتقاسمان الافراح والالام وتبقى فلسطين حاضرة في وجدان المصريين كما بقيت مصر دائما حاضرة في قلب كل فلسطيني

وفي غزة حيث يعيش الناس بين الخيام تحت نيران الحرب وحيث انقطعت الكهرباء وغاب الانترنت لم تغب مصر عن وجدان اهلها تابع كثيرون اخبار المباراة بما استطاعوا وتناقلوا نتائجها من خيمة الى اخرى لان كرة القدم كانت بالنسبة اليهم لحظة حياة وسط كل هذا الموت

وحين تحقق الفوز خرج كثيرون من بين الخيام يهتفون باسم مصر ويعبرون عن محبتهم لها ويحيون رئيسها عبد الفتاح السيسي في مشهد اختلطت فيه دموع الفرح بمرارة الحرب ولم تكن تلك الهتافات مجرد احتفال بنتيجة مباراة بل كانت رسالة وفاء لشعب يرونه شقيقا ولبلد ارتبطت به فلسطين بروابط لا تستطيع الحروب ان تقطعها

وربما لم يكن معظم هؤلاء قد شاهدوا في تلك اللحظة صورة الكابتن حسام حسن وهو يرفع العلم الفلسطيني او سمعوا كلماته التي اهدى فيها الانجاز الى الشعب الفلسطيني لكنهم شعروا بها بقلوبهم فالمواقف الصادقة تصل الى الناس قبل ان تنقلها الشاشات والرسائل النبيلة لا تحتاج الى كهرباء او انترنت حتى تبلغ اصحابها

لقد اثبت التاريخ ان اصحاب المواقف هم الذين يبقون اما اصحاب الصمت فيبتلعهم النسيان فالكرة قد تصنع نجما لكن الموقف يصنع رمزا والبطولات قد تمنح الميداليات اما الانحياز للحق فيمنح صاحبه احترام الشعوب

وليس مطلوبا من الرياضي ان يكون سياسيا لكن من حقه ان يكون انسانا ومن حقه ان يرفع صوته عندما يرى شعبا يقتل ويهجر ويحرم من ابسط حقوقه فالانسانية ليست مخالفة للوائح والرحمة ليست موقفا سياسيا والدفاع عن المدنيين ليس جريمة

ستبقى الاهداف تعاد على الشاشات وستظل الجماهير تتغنى بالانجازات لكن ما سيبقى اطول عمرا من كل ذلك هو الموقف لان التاريخ لا يتذكر فقط من سجل الاهداف بل يتذكر ايضا من وقف الى جانب المظلوم عندما اختار اخرون الصمت

تحية للكابتن حسام حسن الذي اثبت ان اعظم الاهداف ليست تلك التي تهز الشباك بل تلك التي توقظ الضمير وتحية لمصر قيادة وشعبا التي سيبقى لها في قلب كل فلسطيني مكانة خاصة لان ما يجمع الشعبين ليس مجرد حدود او مصالح بل تاريخ طويل من الاخوة ووحدة الدم ووحدة المصير

وهكذا فان اعظم ما يمكن ان يحققه الانسان ليس هدفا يهز الشباك بل موقفا يهز ضمير العالم فالمجد تصنعه الانجازات اما الخلود فتصنعه المواقف