ألف يوم من الحرب... ماذا كشفت إسرائيل عن نفسها؟ (1/٣)
نشر بتاريخ: 2026/07/03 (آخر تحديث: 2026/07/03 الساعة: 23:08)

بعد ألف يوم من الحرب، لم تعد إسرائيل أمام حدث عسكري عابر يمكن قياسه بعدد الجبهات أو حجم النيران أو اتساع العمليات. فالحرب التي بدأت من لحظة صدمة كبرى، ثم امتدت في الزمن والجغرافيا، تحولت إلى اختبار مفتوح للدولة والمجتمع والعقيدة الأمنية والقيادة السياسية.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما فعلته إسرائيل في ساحات القتال، بل بما فعلته الحرب داخل إسرائيل نفسها. هل منحت هذه الحرب إسرائيل فرصة لترميم صورتها وقوتها وردعها، أم أنها فتحت أسئلة أعمق حول حدود القوة، وكلفة الأمن، وقدرة المجتمع على الاحتمال؟ وهل كانت الجبهات المتعددة دليلًا على اتساع القدرة الإسرائيلية، أم على اتساع المأزق الذي وجدت نفسها داخله؟

من هنا، لا يبدو مرور ألف يوم مجرد رقم زمني في حرب طويلة، بل محطة كاشفة تستدعي قراءة أبعد من بيانات الجيش وتصريحات السياسيين. فهي تطرح سؤالًا مركزيًا: أي إسرائيل كشفتها الحرب بعد ألف يوم؟ إسرائيل القادرة على الصمود والقتال طويلًا، أم إسرائيل التي وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف معنى الأمن والقوة والشرعية في بيئة لم تعد تشبه ما قبل السابع من أكتوبر؟

أولًا: العقيدة الأمنية بين الإخفاق وإعادة التشكيل

لم يكن السابع من أكتوبر مجرد إخفاق أمني عابر في منظومة الإنذار أو الاستخبارات، بل لحظة أعادت فتح السؤال حول صلاحية العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فاستقالة رئيس الأركان هرتسي هاليفي في يناير/كانون الثاني 2025، مع إقراره بمسؤوليته عن فشل الجيش في ذلك اليوم، منحت هذا النقاش بعدًا رسميًا داخل المؤسسة العسكرية، لأنها لم تتعامل مع ما جرى باعتباره خللًا ميدانيًا محدودًا، بل فشلًا في المهمة الأساسية للجيش: حماية المواطنين.

وفي دراسة «الأمن القومي لدولة إسرائيل: العقيدة والتوجيهات السياسية للأعوام 2025–2026»، الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يظهر بوضوح أن الحرب لم تفرض فقط مراجعة للأداء العسكري، بل مراجعة أوسع لمفهوم الأمن القومي ذاته. وتذهب دراسة «عقيدة أمنية جديدة لإسرائيل»، الصادرة عن معهد ميسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إلى اتجاه أكثر صراحة، حين تطرح الحاجة إلى عقيدة جديدة تنطلق من إعادة فحص الافتراضات الأساسية، لا من مجرد ترميم العقيدة التاريخية.

غير أن المعضلة لا تكمن فقط في الاعتراف بالحاجة إلى عقيدة جديدة، بل في شروط إنتاجها. فالعقيدة الأمنية ليست وثيقة عسكرية تصدر عن هيئة الأركان، بل تعبير عن توافق سياسي ومجتمعي حول طبيعة التهديد، وحدود استخدام القوة، وحجم الأثمان التي يقبل المجتمع دفعها. وبعد ألف يوم من الحرب، لا يبدو أن هذا التوافق قد تبلور داخل إسرائيل، في ظل استمرار الخلاف حول أهداف الحرب، وحدود استخدام القوة، وموقع الجيش في المجتمع. لذلك تبدو إسرائيل وكأنها تجاوزت كثيرًا من يقينيات العقيدة القديمة، لكنها لم تستقر بعد على عقيدة جديدة قادرة على جمع المؤسسة السياسية والعسكرية والمجتمع حول رؤية أمنية واحدة.

ثانيًا: حدود القوة العسكرية في إنتاج أمن قومي مستقر

كشفت ألف يوم من الحرب أن القوة العسكرية الإسرائيلية، على اتساعها، لا تكفي وحدها لإنتاج أمن قومي مستقر. فالمشكلة لم تكن في قدرة إسرائيل على استخدام القوة، بل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتيجة استراتيجية قابلة للاستمرار. وقد بدا ذلك واضحًا في انتقال مركز الثقل من غزة إلى لبنان ثم إلى إيران، ثم العودة إلى لبنان، حيث اتسع نطاق العمليات العسكرية دون أن يعني ذلك إغلاق مصادر التهديد أو تثبيت معادلة أمنية نهائية.

وفي دراسة الأمن القومي لدولة إسرائيل نفسها، يرد تحذير لافت من الاعتقاد بأن مزيدًا من القوة العسكرية وحده يمكن أن يكون الحل، إذ تؤكد أن التاريخ يعلّم أن الأمن الدائم يتطلب الجمع بين القوة العسكرية والجهد السياسي. ويعزز هذا المعنى ما خلصت إليه دراسة أخرى للمعهد بعنوان «تفكيك المحور: إضعاف وتعطيل شبكة وكلاء إيران»، التي ترى أن إيران ومحورها تراجعا، لكنهما لم يُهزما، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل النجاحات التكتيكية إلى إنجازات استراتيجية طويلة المدى.

وتأتي الحرب الإسرائيلية–الأمريكية ضد إيران في نهاية فبراير/شباط 2026 بوصفها المثال الأقصى على هذه المفارقة. فحتى عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل منذ اللحظة الأولى، بقي السؤال مفتوحًا حول قدرة القوة القصوى على إنتاج استقرار أمني دائم. وهذا ما تؤكده أيضًا دراسة «حرب إسرائيل–إيران: الانفتاح الاستراتيجي الجديد لإسرائيل» الصادرة عن مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، والتي ترى أن الحرب أظهرت حدود قدرة إسرائيل على تشكيل النظام الإقليمي منفردة، رغم ما حققته من نجاحات عملياتية.

بهذا المعنى، لا تقول ألف يوم من الحرب إن إسرائيل ضعيفة عسكريًا، بل تكشف فجوة أعمق بين القدرة على الضرب والقدرة على تثبيت الأمن. فالقوة قد تُضعف الخصوم، وتؤخر قدراتهم، وتعيد ترميم الردع مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لإغلاق الجبهات أو بناء ترتيبات سياسية وإقليمية مستقرة. بل إن الإفراط في الاعتماد عليها قد يدفع إسرائيل إلى حرب استنزاف ممتدة على أكثر من جبهة. وهذه الفجوة بين التفوق العسكري والحصيلة الاستراتيجية تمثل أحد أهم الدروس التي كشفتها الحرب في بنية الأمن القومي الإسرائيلي.

ثالثًا: المجتمع الإسرائيلي... صمود استثنائي أم صمود بشروط؟

كان أحد أبرز الأسئلة التي فرضتها الحرب الطويلة يتعلق بقدرة المجتمع الإسرائيلي على الاستمرار في تحمل كلفتها البشرية والاقتصادية والنفسية. فبعد ألف يوم من القتال، لم يعد الحديث يدور حول الأسابيع الأولى التي اتسمت بحالة تعبئة وطنية واسعة، وإنما حول مدى قدرة هذا المجتمع على الحفاظ على مستوى الصمود نفسه في ظل حرب مفتوحة زمنيًا وجغرافيًا، واتساع دائرة الخسائر، واستمرار حالة عدم اليقين.

وتشير استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في مايو/أيار 2026 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى أن صورة التماسك المجتمعي لم تعد كما كانت في بداية الحرب؛ إذ ظهر تباين واضح في تقييم الإسرائيليين لقدرة مجتمعهم على الصمود، بين من رأى أن الحرب زادته قوة، ومن اعتبر أنها أضعفت تماسكه، إلى جانب قلق متزايد تجاه الأوضاع الاجتماعية والأمن الشخصي.

ويعزز هذا الاتجاه ما خلص إليه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في استطلاعاته حول المجتمع الإسرائيلي أثناء الحرب، إذ بدأ قطاع مهم من الإسرائيليين يتساءل عن قدرة المجتمع على تحمل حرب طويلة، خاصة إذا استمرت الكلفة البشرية والاقتصادية دون وضوح في الأهداف أو في أفق إنهاء القتال. كما خلصت دراسة أخرى لمعهد دراسات الأمن القومي حول الصمود المجتمعي والوطني إلى أن صمود المجتمع لا يعتمد على القدرة النفسية وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بمستوى الثقة بالقيادة، ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وشعور الجمهور بأن التضحيات التي يقدمها تُترجم إلى إنجازات ذات معنى.

ومن هنا، لا يبدو أن الحرب كشفت عجز المجتمع الإسرائيلي عن الصمود، كما لا يمكن القول إنها أثبتت أن هذا الصمود بلا حدود. فالوقائع تشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يمتلك قدرة عالية على التعبئة وتحمل الضغوط، إلا أن استمرار هذه القدرة أصبح أكثر ارتباطًا بثلاثة عوامل رئيسية: الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، والاقتناع بجدوى استمرار الحرب، والإحساس بأن التضحيات تقود إلى نتائج استراتيجية واضحة. وكلما تراجعت هذه العناصر، ازداد خطر انتقال المجتمع من مرحلة الصمود إلى مرحلة الاستنزاف، وهو تحول لا يظهر فجأة، بل يتراكم تدريجيًا مع امتداد الحرب.

رابعًا: اقتصاد الحرب... بين القدرة على التمويل وحدود الاستنزاف

لم تكشف ألف يوم من الحرب انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، لكنها كشفت أن قدرة هذا الاقتصاد على تمويل الحرب ليست بلا كلفة. فقد استطاعت إسرائيل الحفاظ على مؤسساتها المالية وسوقها الإنتاجي وقدرتها على الاقتراض، إلا أن استمرار الحرب نقل الاقتصاد من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة إدارة الاستنزاف: إنفاق دفاعي متزايد، تعويضات واسعة، تضرر قطاعات إنتاجية، وضغط متصاعد على المالية العامة.

وفي توقعاته الصادرة في مارس/آذار 2026، قدّر بنك إسرائيل عجز الموازنة بنحو 5.3% من الناتج المحلي، والدين العام بنحو 70.5% من الناتج، وهي مؤشرات تعكس انتقال كلفة الحرب من بند طارئ إلى عبء مالي ممتد. كما أشار المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في قراءته لموازنة عام 2026، إلى استمرار الضغوط على المالية العامة وارتفاع الدين مقارنة بما قبل الحرب.

ولم يقتصر الأمر على المؤشرات المحلية، إذ خفّض صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) توقعاتهما لنمو الاقتصاد الإسرائيلي، مع التحذير من أن استمرار التوترات الإقليمية واتساع الإنفاق العسكري قد يضغطان على مسار التعافي الاقتصادي.

بهذا المعنى، لا يقول الاقتصاد إن إسرائيل عاجزة عن تمويل الحرب، بل يقول إن استمرار التمويل يغيّر أولويات الدولة ويضغط على مستقبلها المالي. فكلما طال أمد الحرب، تحولت الكلفة من إنفاق عسكري مباشر إلى شبكة أوسع من الأعباء تشمل إعادة الإعمار، والتعويضات، ودعم القطاعات المتضررة، وارتفاع خدمة الدين، وتراجع اليقين الاستثماري. وهنا تظهر المفارقة: الاقتصاد الإسرائيلي صمد، لكنه صمد عبر ترحيل جزء من كلفة الحرب إلى السنوات المقبلة. ولذلك فإن الدرس الاقتصادي لألف يوم من الحرب لا يتمثل في سؤال الانهيار، بل في سؤال الاستدامة: إلى متى تستطيع إسرائيل تمويل حرب مفتوحة دون أن تعيد هذه الحرب تشكيل اقتصادها وأولوياتها الاجتماعية؟

إذا كانت هذه المحاور قد رسمت جانبًا من صورة إسرائيل بعد ألف يوم من الحرب، فإن بقية الصورة لا تزال تنتظر. وفي الجزأين التاليين، نستكمل قراءة القضايا الأخرى التي كشفتها الحرب، من الداخل السياسي الإسرائيلي إلى موقع إسرائيل في علاقتها بحلفائها والعالم.