هل أزمة الفلسطينيين هي المفاوضات حول نزع السلاح؟
نشر بتاريخ: 2026/07/01 (آخر تحديث: 2026/07/01 الساعة: 22:51)

لم تكشف المفاوضات الجارية بشأن وقف الحرب في قطاع غزة خلافاً فلسطينياً حول مستقبل سلاح حركة حماس فحسب، بل أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً لسنوات: كيف تُصنع القرارات الوطنية الكبرى في النظام السياسي الفلسطيني، ومن يملك شرعية اتخاذها؟

فالجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالسلاح وحده، ولا بالمفاوضات وحدها، بل بأزمة أعمق تتصل ببنية النظام السياسي الفلسطيني، وتآكل مؤسساته، وتعدد مراكز القرار، وغياب المرجعية الوطنية الجامعة. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى المفاوضات باعتبارها أصل الأزمة، بل بوصفها لحظة كشفت أزمة تاريخية تراكمت عبر عقود.

تأتي هذه المفاوضات في لحظة غير مسبوقة، حيث لا يقتصر الخطر على وقف الحرب أو استمرارها، بل يمتد إلى محاولات إسرائيل فرض واقع سياسي وأمني جديد في قطاع غزة، وإعادة تشكيل القضية الفلسطينية نفسها. لذلك، فإن النقاش حول السلاح لا يمكن عزله عن السؤال الأكبر المتعلق بمن يملك القرار الوطني وكيف يُصنع.

ليس السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: من يملك حق التفاوض على مستقبل سلاح حركة حماس؟ ولا من يملك صلاحية اتخاذ القرار بشأن ترتيبات اليوم التالي للحرب. فهذه الأسئلة، على أهميتها، جاءت متأخرة.

أما السؤال الذي ينبغي أن يسبقها فهو: لماذا لم يُطرح النقاش حول الشراكة الوطنية في صناعة القرار إلا عندما وصلت المفاوضات إلى أكثر الملفات حساسية؟

لقد أطلقت المفاوضات نقاشاً واسعاً، وظهرت مبادرات تدعو إلى توسيع المشاركة الوطنية في إدارة العملية التفاوضية. لكن الإشكالية أنها تتعامل مع نتائج الأزمة أكثر مما تتعامل مع أسبابها، إذ تفترض وجود نظام سياسي يمتلك مؤسسات فاعلة ومرجعيات قادرة على إنتاج قرار توافقي، بينما يقول الواقع الفلسطيني غير ذلك.

فالأزمة لم تبدأ مع الحرب، ولا مع المفاوضات، بل هي امتداد لاختلالات رافقت قيام السلطة الفلسطينية، ثم تعمقت مع تعثر الإصلاح، وفشل إعادة بناء منظمة التحرير، والانقسام منذ عام 2007، وتعطل المؤسسات التمثيلية، وتعدد مراكز القرار. جاءت الحرب الأخيرة لتكشف هذه الأزمة، لا لتصنعها.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك قرار التفاوض؟ بل: هل توجد أصلاً مرجعية وطنية متوافق عليها تمتلك الشرعية والقدرة على اتخاذ مثل هذا القرار؟ ولماذا الآن؟ إذا كانت الشراكة الوطنية هي المبدأ الذي ينبغي أن يحكم القرارات المصيرية، فلماذا يُطرح هذا المبدأ اليوم؟ ولماذا لم يتحول إلى مطلب وطني عندما تعطلت المؤسسات، وفشلت المصالحة، وانقسم النظام السياسي، وانفرد كل طرف بإدارة المجال الواقع تحت سيطرته؟

ويطرح توقيت هذه الدعوات سؤالاً آخر: هل نحن أمام مراجعة سياسية حقيقية لدى حركة حماس لطبيعة إدارة القرار الوطني خلال السنوات الماضية، أم أمام إدراك فرضته نتائج الحرب بأن القرارات المتعلقة بمستقبل غزة وسلاح المقاومة لم يعد ممكناً أن تتحمل الحركة تبعاتها وحدها؟ وهل يعكس هذا التحول اقتناعاً بالشراكة الوطنية، أم استجابة لواقع أصبحت فيه كلفة القرار أكبر من أن يتحملها طرف واحد؟

طرح هذا السؤال لا ينتقص من أهمية الشراكة، بل يؤكد أن قيمتها الحقيقية تكمن في أن تكون مبدأً يحكم صناعة القرار منذ بدايته، لا وسيلة لتوزيع أعباء أزمة قائمة. فلا يجوز أن تكون الحرب قراراً تتخذه جهة واحدة، ثم يصبح السلام أو التفاوض أو مستقبل السلاح مسؤولية الجميع. ومن اتخذ قرار الحرب؟

إذا كان قرار التفاوض بشأن مستقبل السلاح لا يجوز أن تنفرد به جهة واحدة، فمن المشروع أيضاً أن يُطرح سؤال لا يقل أهمية: من اتخذ قرار الحرب؟ وليس المقصود إصدار حكم على عملية السابع من أكتوبر، وإنما التأكيد على اتساق المبدأ. فإذا كانت القرارات المتعلقة بإنهاء الحرب تحتاج إلى شراكة وطنية، فمن الطبيعي أن يُسأل أيضاً: هل اتُّخذ قرار الدخول في الحرب ضمن مرجعية وطنية جامعة؟ وهل شاركت فيه القوى التي يُطالب اليوم بإشراكها في القرار التفاوضي؟

إن إخضاع قرار التفاوض للشراكة، واستثناء قرار الحرب منها، يجعل الشراكة الوطنية مطلباً انتقائياً لا مبدأً حاكماً.

ويطرح السؤال هل هي أزمة تمثيل لا أزمة تفاوض؟ تكشف المفاوضات الجارية أزمة النظام السياسي الفلسطيني أكثر مما تكشف خلافاً حول السلاح. فهذه القضية لا تُطرح في سياق فلسطيني داخلي فحسب، بل في ظل حرب مستمرة وضغوط إسرائيلية وأميركية وإقليمية.

كما أن الوسطاء يتفاوضون مع حركة حماس لأنها الطرف المسيطر ميدانياً في قطاع غزة، لا لأنها تمثل النظام السياسي الفلسطيني أو تمتلك تفويضاً وطنيًا شاملاً. وفي المقابل، لا تبدو منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية طرفاً مباشراً في هذه المفاوضات، وهو ما يعكس أزمة التمثيل والانقسام، ويؤكد أن المشكلة ليست في آلية اتخاذ القرار، بل في غياب المرجعية الوطنية القادرة على إنتاجه.

ولا يمكن فهم هذه الأزمة بتحميل طرف واحد المسؤولية. فالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تتحملان مسؤولية تاريخية عن تعثر إصلاح النظام السياسي وتجديد شرعياته، كما تتحمل حركة حماس مسؤولية تكريس إدارة منفردة لقطاع غزة، واتخاذ قرارات استراتيجية كبرى خارج إطار وطني جامع، بما في ذلك قرار الدخول في الحرب الأخيرة وما ترتب عليه من تداعيات كارثية.

ليست الأولوية اليوم صياغة وثيقة جديدة لتنظيم المشاورات، ولا إنشاء إطار إضافي لإدارة المفاوضات، وإنما إطلاق مراجعة وطنية شاملة تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجدد شرعياته، وتعيد الاعتبار لمؤسساته، وتحدد العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وبين المقاومة والقرار الوطني.

فالمفاوضات قد تكون المناسبة التي فجّرت هذا النقاش، لكنها ليست أصل الأزمة. أما أصل الأزمة فهو نظام سياسي تراجعت فيه المؤسسات الجامعة، وتعددت فيه مراكز القرار، حتى أصبح الفلسطينيون يناقشون من يملك حق اتخاذ القرار، بينما السؤال الأكبر ما زال بلا إجابة: كيف وصل النظام السياسي الفلسطيني إلى هذا المأزق، وكيف يمكن إعادة بنائه؟

إن استعادة القرار الوطني لا تبدأ بوطننة المفاوضات وحدها، بل بوطننة النظام السياسي نفسه، بحيث تصبح الشراكة والشرعية والمساءلة قواعد تحكم جميع القرارات المصيرية، من قرار الحرب إلى قرار التفاوض، لا أن تُستدعى فقط عندما تصبح كلفة القرار أكبر من أن يتحملها طرف واحد.

ولم يعد لدى الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يعيشون كارثة إنسانية غير مسبوقة، ترف إضاعة الوقت أو تأجيل القرارات الصعبة، بينما يمضي المشروع الإسرائيلي في إعادة تشكيل القطاع وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.

ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من حركة حماس، في هذه اللحظة، أن تتخذ قرارات شجاعة في المفاوضات الجارية، بما في ذلك ما يتصل بملف السلاح، انطلاقاً من المصلحة الوطنية العليا، وتغليباً لحق الفلسطينيين في الحياة وحماية مستقبل قضيتهم الوطنية. فالتاريخ لا يحاسب القوى الوطنية على تمسكها بالشعارات، بقدر ما يحاسبها على قدرتها على اتخاذ القرارات التي تحمي شعبها وتصون مشروعها الوطني في اللحظات المفصلية.