تأهلت مصر ففرحت غزة.. الرياضة التي اعادت تأكيد معاني الاخوة
نشر بتاريخ: 2026/06/27 (آخر تحديث: 2026/06/27 الساعة: 22:51)

لا ينظر الناس في غزة إلى مصر باعتبارها دولة مجاورة فقط، بل هناك شيء أعمق من الجغرافيا والسياسة يحكم هذه العلاقة، فمصر حاضرة في الذاكرة الفلسطينية وفي الوجدان الجمعي للناس، لذا لم يكن مستغربا أن يصطف الناس لمشاهدة وتشجيع المنتخب المصري وأن تتحول فرحة المصريين بالفوز التاريخي لمنتخبهم الوطني إلى فرحة فلسطينية أيضا وخصوصا في قطاع غزة.

ولا غرابة أن تحرص المنظمات والمؤسسات الانسانية العاملة في قطاع غزة على تنظيم فعاليات جماعية لمشاهدة مباريات المنتخب المصري رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع. فقد بادرت جهات عدة وفي مقدمتها عملية الفارس الشهم 3 واللجنة المصرية إلى توفير شاشات عرض وأماكن مناسبة لضمان تمكن المواطنين من متابعة المباراة في ظل الازمات وانقطاع الخدمات التي تحول في كثير من الاحيان دون ذلك، ولم يكن هذا الحرص مجرد تنظيم لنشاط ترفيهي بل عكس ادراكا عميقا لأهمية هذه اللحظات في تعزيز الامل والفرح الجماعي وتجسيد مشاعر الاخوة والارتباط الوجداني التي تجمع بين الشعبين الفلسطيني والمصري.

حقق المنتخب المصري قبا أيام إنجازا تاريخيا بفوزه الأول في البطولة واليوم تأهل إلى دور الـ32 للمرة الأولى في تاريخه، وبالنسبة لكثيرين في غزة لم يكن هذا مجرد خبر رياضي عابر أو نتيجة مباراة تتابع ثم تنسى بل كان مناسبة حقيقية للفرح فالمشاهد التي امتلأت بها وسائل التواصل الاجتماعي، وحالة التفاعل الشعبي الواسعة عكست مقدار المحبة التي يكنها الفلسطينيون لمصر وشعبها.

قد يبدو غريبا للبعض أن يفرح شعب يعيش حربا ومعاناة يومية بإنجاز رياضي تحقق في دولة أخرى لكن من يعرف طبيعة العلاقة بين غزة ومصر يدرك أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير معقد، فمصر بالنسبة للفلسطينيين ليست دولة بعيدة بل هي جزء من الوعي الوطني والوجداني الفلسطيني، وهي الدولة التي ارتبط اسمها بالقضية الفلسطينية عبر التاريخ وظلت حاضرة في أكثر اللحظات صعوبة التي مر بها الشعب الفلسطيني.

تابع الفلسطينيون على مدار الفترة الماضية الدور المصري في جهود لمنع التهجير وجهودهم في ابرام اتفاق التهدئة ووقف إطلاق النار إلى جوار الجهود السياسية والإنسانية المبذولة للتخفيف من معاناة أهل غزة، فإن مشاعر التقدير لمصر شعبا وحكومة ورئيس لا تنبع فقط من التاريخ المشترك وإنما أيضا من إدراك الناس لحجم الدور الذي تقوم به في هذه المرحلة الدقيقة.

وهنا يمكن فهم الفرحة الغزية بالفوز المصري الأخير لم تكن فرحة بمنتخب عربي فحسب بل كانت فرحة بمصر نفسها، فرحة برؤية بلد عربي كبير يحقق إنجازا عالميا ويمنح الملايين لحظة نادرة من الاعتزاز والأمل، وربما لهذا السبب بدا كثير من أبناء غزة وكأنهم يحتفلون بفوز يخصهم شخصيا لا لأنهم يبحثون عن انتصار بديل وإنما لأنهم يشعرون بصدق أنهم جزء من هذه الفرحة.

الرياضة في بعض اللحظات تتجاوز حدود المنافسة والنتائج، فهي تكشف عن العلاقات الحقيقية بين الشعوب وعن المشاعر التي لا تستطيع السياسة دائما التعبير عنها، وما حدث بعد فوز مصر كان مثالا واضحا على ذلك حيث تحدثت الرياضة بلغة الأخوة وأظهرت أن الروابط الإنسانية والتاريخية ما زالت قادرة على صناعة لحظات تجمع الناس حول الفرح حتى في أكثر الأوقات قسوة.

ولعل أجمل ما في فرحة غزة بفوز مصر أنها كانت صادقة لم تكن مجاملة سياسية ولا موقفا إعلاميا بل تعبيرا إنسانيا بسيطا وعميقا في الوقت نفسها، وحين يفرح أهل غزة لمصر فإنهم لا يحتفلون بهدف أو بفوز بمباراة فقط بل يعبرون بطريقتهم الخاصة عن وفاء قديم ومحبة متجذرة وإيمان بأن الأخوة الحقيقية لا تصنعها الشعارات بل تصنعها المواقف والتاريخ والوجدان المشترك.