​الإنسان أولاً وأخيراً : هل حان وقت إعادة تعريف "معركة البقاء" الفلسطينية؟
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 14:11)

​في أدبيات التحرر الوطني عبر التاريخ، لم يكن السلاح يوماً غاية بحد ذاته، بل كان دائماً وسيلة لحماية الحقوق، وصون كرامة الإنسان، وتأمين مستقبل الأجيال. واليوم، وفي ظل المنعطف الكارثي والمصيري الذي تمر به القضية الفلسطينية، وأمام شلال الدم النازف وحرب الإبادة والتهجير، يصبح من الواجب الوطني والأخلاقي والسياسي أن نطرح التساؤلات الأكثر عمقاً وجرأة: ما هي الأولوية القصوى اليوم؟ هل هي الحفاظ على الهياكل التنظيمية وفلسفة التسلح، أم الحفاظ على الإنسان الفلسطيني نفسه فوق أرضه؟

​إن جوهر القضية الفلسطينية ليس مجرد شعارات أو رايات فصائلية، بل هو ذلك الطفل الذي يبحث عن مقعد دراسي آمن، والأم التي تنشد مشفىً حقيقياً يعالج أطفالها، والعائلة التي تطمح لحياة كريمة مستقرة بعيداً عن أزيز الطائرات وخطر الإبادة المستمرة. إذا كان ثمن الحفاظ على السلاح أو التنظيم هو الفناء التام للإنسان، والتهجير القسري، وتحويل ما تبقى من الوطن إلى رماد، فإن المنطق الإنساني والوطني يفرض علينا مراجعة الخيارات بشجاعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

​صون الكرامة وبقاء الإنسان على أرضه

​إن طرح فكرة "تسليم السلاح" أو حتى "إنهاء العمل التنظيمي والفصائلي بشكل كامل" في هذه المرحلة، لا ينبغي أن يُفهم من باب الاستسلام أو الانكسار، بل كخيار استراتيجي أخير وأليم، يهدف إلى تفويت الفرصة على الاحتلال الذي يتخذ من "وجود السلاح" ذريعة لمحو الوجود الإنساني الفلسطيني، واقتلاعه من أرضه.

​الكرامة الحقيقية لا تكمن في الموت تحت الأنقاض، بل في البقاء فوق الأرض، وتنشئة جيل متعلم وقوي وقادر على بناء المستقبل. إن تصفير الذرائع أمام المجتمع الدولي يضع العالم أجمع أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية، وينقل المعركة من مربع المواجهة العسكرية غير المتكافئة، إلى مربع الحفاظ على الوجود والحياة.

​شروط وضمانات مستحيلة التجاوز

​هذا الطرح الفكري والسياسي لا يمكن أن يمر أو يُقبل إلا بوجود معادلة واضحة وشروط حاسمة، تضمن ألا يكون هذا التنازل مجانياً أو مفرغاً من مضمونه. وتتمثل هذه الضمانات في:

​ضمانات دولية وعربية صارمة: وجود رعاية أممية وعربية ملزمة، تشكل شبكة أمان سياسية وقانونية، وتجبر دولة الاحتلال على رفع يدها بالكامل عن الشعب الفلسطيني.

​إنهاء الاحتلال والحصار: إلزام إسرائيل بخطوات عملية ومجدولة لإنهاء احتلالها وحصارها، والاعتراف بالحقوق السياسية والسيادية للشعب الفلسطيني.

​تأمين الحياة الكريمة: كفيل بضمان حق الفلسطينيين في العيش بسلام، وإعادة الإعمار، وفتح المعابر، وحرية الحركة، وبناء مؤسسات دولية مستقلة تخدم التعليم والصحة والاقتصاد.

​نحو عقدين من البناء والاستقرار

​إن القبول بهذا الخيار مقابل كفالة استقرار وأمن شامل يمتد لعشرين عاماً على الأقل، وتحت رعاية دولية، قد يكون الممر الإجباري نحو ولادة جديدة للهوية الفلسطينية. عشرون عاماً بلا حرب، وبلا دمار، وبلا دماء، كفيلة بأن تعيد صياغة المجتمع الفلسطيني؛ تُبنى فيها المدارس والجامعات والمستشفيات، ويتحول فيها الاستثمار من "أدوات الموت والدمار" إلى "أدوات الحياة والبناء".

​في نهاية المطاف، السلاح الذي لا يستطيع حماية الأطفال من القتل، ولا يمنع تهجير الإنسان من أرضه، يصبح عبئاً على كاهل القضية إن استمر كذريعة لإبادة الشعب. إن الانحياز الفكري والوطني اليوم يجب أن يكون موثقاً وموجهاً نحو "الإنسان الفلسطيني"؛ لأنه إذا فني الإنسان، فلن يتبقى هناك وطن لنحرره، ولن تتبقى أرض لنرفع فوقها الرايات. البقاء فوق الأرض هو الانتصار الأكبر في هذه المرحلة التدميرية من تاريخنا.