الوطن رهينة صراعات الساسة
نشر بتاريخ: 2026/06/03 (آخر تحديث: 2026/06/04 الساعة: 02:28)

يُنسب إلى جورج أورويل قوله: "السياسيون كالقرود، إذا تخاصموا أفسدوا الزرع، وإذا اتفقوا أكلوا الزرع". ورغم ما في العبارة من سخرية لاذعة، فإنها تختزل جانبًا مهمًا من الواقع السياسي الذي تعيشه أمم كثيرة، حيث يتحول العمل السياسي من أداة لخدمة الشعوب إلى ساحة صراع مفتوحة على النفوذ والمصالح والحسابات الضيقة.

الصراع ليس وليد العصر الحديث، بل رافق الإنسان منذ فجر التاريخ. ففي الأزمنة الأولى كان التنافس يدور حول الماء والمراعي والأراضي الخصبة، ثم تطور مع تطور المجتمعات والدول ليأخذ أشكالًا سياسية واقتصادية وعسكرية أكثر تعقيدًا. غير أن جوهر الصراع بقي واحدًا: السعي إلى السيطرة والهيمنة، وإن اختلفت الوسائل والشعارات.

وكان من المفترض أن يشكل تطور الفكر السياسي وانتشار مفاهيم الديمقراطية والتعددية الحزبية خطوة نحو خدمة الإنسان وتعزيز مشاركته في صنع القرار، إلا أن التجارب في كثير من الدول العربية أظهرت أن التعددية لا تتحول بالضرورة إلى شراكة وطنية. ففي أحيان كثيرة تتحول الأحزاب والتيارات السياسية إلى مراكز قوة متنافسة، ينشغل بعضها بإضعاف الآخر أكثر من انشغالها بتقديم حلول حقيقية لمشكلات المواطنين.

وعندما يحتدم الصراع بين القوى السياسية، تصبح مؤسسات الدولة أول الضحايا، وتتراجع الأولويات الوطنية لصالح الحسابات الحزبية، وتُهدر الطاقات في معارك جانبية لا تعود على الشعوب إلا بمزيد من الإحباط والانقسام. أما عندما تتفق بعض القوى السياسية، فإن المواطن لا يكون دائمًا المستفيد من ذلك الاتفاق، خاصة إذا تحول إلى تقاسم للمصالح والنفوذ بدل أن يكون توافقًا على برنامج وطني يخدم الصالح العام.

وفي فلسطين تبدو الصورة أكثر حساسية وخطورة. فالشعب الفلسطيني لا يواجه خلافًا سياسيًا عابرًا، بل يواجه مشروع احتلال استيطاني يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتقويض الحقوق الوطنية. وفي ظل هذه التحديات الكبرى، يصبح الانقسام السياسي عبئًا إضافيًا على القضية الوطنية، ويستنزف جزءًا من طاقة الشعب وقدرته على مواجهة الأخطار المحدقة به.

لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنًا باهظًا للخلافات والانقسامات، ليس لأن التعددية السياسية مشكلة بحد ذاتها، بل لأن الخلاف تحول في كثير من الأحيان إلى حالة دائمة تجاوزت حدود التنافس المشروع إلى حالة من الاستقطاب أضعفت الثقة بالمؤسسات الوطنية وأثرت في قدرة النظام السياسي على تجديد نفسه وتوحيد جهوده.

إن التعددية السياسية تبقى قيمة إيجابية عندما تكون وسيلة لإثراء الحياة العامة وتطوير الأداء الوطني، لكنها تتحول إلى عبء عندما تصبح أداة للصراع على المواقع والمكاسب. فالوطن لا يحتاج إلى أحزاب تتصارع على النفوذ بقدر حاجته إلى قوى سياسية تتنافس في خدمة الناس وصون مصالحهم والدفاع عن حقوقهم.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه تجارب الشعوب هو أن الأوطان لا تنهض بالشعارات ولا بالاصطفافات الضيقة، وإنما بالإرادة الوطنية الجامعة التي تجعل المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية، وتجعل من الاختلاف مصدرًا للقوة لا سببًا للانقسام. فالتاريخ لا يخلد الذين انتصروا في معارك السياسة الصغيرة، بل يخلد الذين حافظوا على وحدة أوطانهم وصانوا كرامة شعوبهم.

وحين تصبح السياسة طريقًا إلى خدمة الإنسان، تتحول التعددية إلى مصدر ثراء وقوة. أما حين تتحول إلى صراع دائم على السلطة والنفوذ، فإن الوطن يصبح رهينة لصراعات الساسة، ويصبح المواطن هو الخاسر الأكبر في معركة لم يختر أن يكون طرفًا فيها.