في القدس، الحرب التي لا تتوقف
نشر بتاريخ: 2026/01/21 (آخر تحديث: 2026/01/21 الساعة: 19:53)

شوارع استيطانية، ومزيد من البؤر الاستيطانية، والمشاريع والمخططات الاستيطانية الكبرى: في جنوب المدينة يجري إنشاء حزام استيطاني جنوبي متكامل يمتد من مستوطنة "هار هاحوماه" (جبل أبو غنيم) إلى القناة السفلى لمستوطنات "جفعات همتوس" و"جفعات هتحموتس" و"جفعات هشاكيد"، وصولاً إلى مستوطنة "جيلو" وجبل جيلو. هذه المستوطنات تحاصر وتفكك وتستولي على مساحات واسعة من أراضي صور باهر وأم طوبا وبيت صفافا وشرفات والولجة وبيت جالا، وتعزل قرى جنوب غرب المدينة جغرافياً وديمغرافياً عن جنوب غرب الضفة الغربية ومحافظتي بيت لحم والخليل.

ومن بعد ذلك، يمتد التطويق الاستيطاني والعزل الجغرافي والديمغرافي نحو شمال المدينة لإغلاق بوابتها الشمالية نحو رام الله وشمال الضفة الغربية. وهناك ينتظر المشروع الاستيطاني الأضخم المقرر إقامته على أرض مطار القدس، الذي يفترض أن يكون أحد رموز السيادة الفلسطينية والدولة الفلسطينية، ويشمل (9000) تسعة آلاف وحدة استيطانية وساحات عامة ومرافق تجارية وكنائس ومدارس دينية.

ثم يتجه التطويق نحو شمال شرق المدينة، حيث تجري مصادرة أجزاء من أراضي حزما وجبع ومخماس لتوسيع الشوارع الاستيطانية حتى منطقة "عيون الحرامية"، والشرع في تنفيذ الشارع رقم (45) من أجل دمج البنية التحتية لتلك المستوطنات وتحويلها إلى ضواحٍ سكنية مرتبطة بمركز المدن الإسرائيلية. ومن المقرر أن يمتد ذلك الشارع من بوابة بلدة مخماس شرقاً حتى نفق حاجز قلنديا غرباً، بتكلفة تصل إلى 400 مليون شيكل، مما سيعزل ويحاصر الأحياء الفلسطينية، ويربط البؤر الاستيطانية مع بعضها البعض عبر طرق وشوارع استيطانية تسهل على المستوطنين الحركة وتختصر الوقت.

وقبل الانتقال إلى مناقشة المشروع الاستيطاني المنوي إقامته في مجمع "معاليه أدوميم" الاستيطاني بالمنطقة المسماة (E1)، لا بد من التطرق إلى المشروع الاستيطاني المسمى "نحلات شمعون"، الذي سيقام في قلب حي الشيخ جراح الغربي (جورة النقاع) على مساحة 17 دونماً، فوق أنقاض بيوت أربعين عائلة مقدسية. حيث سيقام مكانها (316) وحدة استيطانية تشطر الحي إلى شطرين، وتمتد نحو الحي الشرقي لتهويده والربط مع بيت وقصر المفتي الذي جرى الاستيلاء عليه، وصولاً إلى جبل المشارف لإقامة حزام استيطاني يعزل قرى شمال مدينة القدس عن قلبها، ملتقياً مع المشروع الاستيطاني "وادي السيلكون".

وبالانتقال إلى المشروع الاستيطاني المعروف باسم (E1)، والذي سيقام في منطقة شرق القدس ويضم (3401) وحدة استيطانية، نجد أنه يغلق البوابة الشرقية للمدينة جغرافياً وديمغرافياً، ويعمل على خلق تواصل بين مستوطنة "معاليه أدوميم" ومدينة القدس، مبتلعاً ما مساحته 3% من أراضي الضفة الغربية. كما يعزل تجمعات وادي الجمل وجبل البابا وبلدة العيزرية، ويهدد وجود 7000 آلاف مواطن من سكان التجمعات البدوية هناك، ناهيك عن أنه سيعمل على هدم ويهدد 43 منشأة ومسكناً لتوسيع الشوارع الاستيطانية. وكذلك يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويلغي أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.

هدم منازل وإخطارات بالهدم لا تتوقف، وطرد وتهجير لأحياء بكاملها في سلوان وحيي الشيخ جراح، و"أسرلة" للمنهاج والعملية التعليمية في القدس، وشطب للهوية والرواية والسردية الفلسطينية العربية، وتزوير للتاريخ، وطمس لمعالم المدينة التاريخية والتراثية والحضارية، وتغيير كلي لهويتها، واستهداف لأماكنها ومقدساتها الدينية. وفي المقدمة منها الأقصى السائر نحو التهويد وإقامة الهيكل الثالث المزعوم بدلاً من مسجد قبة الصخرة فيه، حيث يجري الدفع بقانون ما يعرف ب"تحقيق الهوية اليهودية في الفضاء العام" كتمهيد لهذا المخطط. وذلك بنزع القدسية عن ساحات الأقصى وتحويلها إلى أماكن بلدية عامة، حيث سيمنع حراس الأوقاف ودائرة الأوقاف من ملاحقة من يؤدون طقوسهم وشعائرهم الدينية في الأقصى من غير المسلمين. وبالتالي، فإن من يقوم بمنع المستوطنين من القيام بصلواتهم وطقوسهم الدينية والتلمودية في تلك الساحات سيتم ملاحقته قانونياً بالاعتقال والسجن والإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة، والتعرض لسلسلة من العقوبات اللا متناهية.

عزل للمدينة عن محيطها الفلسطيني جغرافياً وديمغرافياً من جنوبها إلى شمالها وحتى شرقها، ومشاريع استيطانية وآلاف الوحدات الاستيطانية تطوق المدينة وتشكل حواجز استيطانية كبرى تعزلها، وتحول الوجود العربي الفلسطيني فيها إلى جزر متناثرة في محيط "إسرائيلي" واسع. تطويق من الجنوب والشمال والشرق.

واستهداف للتعليم والعملية التعليمية والمنهاج الفلسطيني في المدينة، في إطار "أسرلة" العقول والسيطرة على الذاكرة الجمعية وشطبها، و"كيّ" الوعي وتطويعه و"صهره" و"تجريفه". ميزانيات وخطط خماسية (2018 – 2023) و (2024 – 2028) بمليارات الدولارات تُخصص من أجل ما يسمونه ردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين سكان القدس بقسميها الشرقي والغربي، والعمل على توفير آلاف فرص العمل للسكان العرب.

ولكن الأهداف الحقيقية هي التهويد و"الأسرلة"، أو ما يسمونه نزع "التطرف والإرهاب". وقيود كبرى وعقوبات تلاحق المدارس والطواقم التعليمية في تلك المدارس، بما يشمل معاقبة المعلمين، وحرمان خريجي الجامعات الفلسطينية – مثل جامعات القدس وبيرزيت وبيت لحم والنجاح والعربية الأمريكية في جنين والخليل وغيرها – من التدريس في المدارس الحكومية التي تسيطر عليها بلدية القدس ودائرة المعارف العربية فيها. وكذلك سيسري هذا القرار على المدارس الخاصة التي تتلقى دعماً وميزانيات من بلدية القدس.

وهنا يصبح الاستهداف موجهاً نحو الجامعات الفلسطينية من أجل تفريغها من الطلبة القادمين من مدينة القدس والداخل الفلسطيني (أراضي 48)، وليصل الاستهداف إلى خريجي تلك الجامعات من الأطباء والممرضين، حيث تثار مطالبات بمنع تشغيلهم في المشافي الإسرائيلية. والحجج والذرائع هنا هي أن التعليم في تلك الجامعات يحتوي على مضامين تحريضية وكراهية وحقد وعدم اعتراف بوجود "إسرائيل"، ورواية وسردية تنكر حقها في الوجود.

اليوم في مدينة القدس وفي منطقة الشيخ جراح، جرى "هدم" الشرعية الدولية ودق آخر مسمار في "نعش" القانون الدولي، حيث جرى هدم المقر الرئيسي لوكالة الغوث واللاجئين "الأونروا"، الشاهد الأخلاقي والسياسي على الجريمة التي ارتكبتها دولة الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني (النكبة الفلسطينية)، والتي طردت وهدجرت أكثر من نصفه. الوزير المتطرف بن غفير شارك في عملية الهدم، وعبر في معرض حديثه عن السياسة الممنهجة والرسمية لدولة الاحتلال، حيث قال عن هدم مكاتب الأونروا بالقدس: "هذا يوم تاريخي، يوم عيد، ويوم بالغ الأهمية. لحكم القدس لسنوات طويلة، تواجد هؤلاء الداعمون للإرهاب هنا، واليوم يُطردون من هنا مع كل ما بنوه. هذا ما سيحدث لأي داعم للإرهاب".

دولة الاحتلال سبقت هدم مباني المقر الرئيسي لوكالة الغوث في الشيخ جراح وإنزال علمها ورفع علم دولة الاحتلال مكانه، بإغلاق مدارس وكالة الغوث واللاجئين الستة في مدينة القدس. فشطب الوكالة الدولية يعني شطباً لحق العودة الفلسطيني.

وسَبَق عملية هدم مباني الوكالة، قطع الكهرباء والماء عن مؤسسات الوكالة العشرة في مدينة القدس، وإغلاق عيادة الزاوية التابعة للوكالة في منطقة باب الساهرة.

هذا الاعتداء جاء في سياق تصعيد ممنهج ومتواصل ضد الأونروا. هذا التصعيد سبقته أشهر من المضايقات والانتهاكات التي طالت الوكالة، وشملت هجمات حرق متعمد خلال عام 2024، ومظاهرات تحريض وترهيب، وحملة تضليل إعلامي واسعة، إلى جانب تشريعات مناهضة للأونروا أقرها الاحتلال الإسرائيلي في انتهاك واضح لالتزاماته الدولية، ما أدى إلى إجبار موظفي الوكالة على إخلاء المجمع مطلع العام الماضي، فضلاً عن مصادرة أثاث ومعدات تكنولوجيا معلومات وممتلكات أخرى.

هي الحرب المستمرة والمتواصلة على المقدسيين، والتي تطالهم في كل مناحي حياتهم، حتى في تفاصيلها اليومية الاجتماعية والاقتصادية. هي حرب بلا هوادة، وبلا كوابح أو ضوابط.