المصلحة الأميركية هي المقاس الوحيد
نشر بتاريخ: 2026/01/15 (آخر تحديث: 2026/01/15 الساعة: 17:52)

لا يزال رئيس أميركا دونالد ترامب، يشغل المساحة الأوسع، والأكثر إثارة، من الأخبار والتحليلات وحتى القرارات والتحرّكات في أكثر من مكان على وجه الأرض.

يكاد لا يمرّ يوم، إلّا ويصدر ترامب قرارات تنفيذية تنطوي على إشكاليات، أو تهديدات تطال الكثير من دول العالم، لا تقتصر فقط على دول أميركا اللاتينية التي تشكّل الأولوية في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.

ترامب يتصرّف فعلاً على أنه الزعيم الدولي المتوّج بدعمٍ إلهي، لا يُنافسه ولا يُجاريه أيّ زعيم آخر على وجه الأرض، والذي يملك حصرياً العصا السحرية التي ستغيّر وجه العالم، لتحقيق شعاره وهدفه «لنجعل أميركا عظيمة».

لا يوجد قانون دولي، يمكن الالتزام به لتحقيق العدالة التي تنشدها أميركا، بل إن القانون الأميركي لا يكفي لتحقيق العدالة، ولذلك فإن أخلاقيات ترامب هي المعيار الأساسي، والمرجعية الأساسية التي تقود سياساته وقراراته. خطابه للآخرين، أن قولوا ما تشاؤون أو اصرخوا إن شئتم، وافعلوا ما تستطيعون، تمسّكوا ببقايا الأمم المتحدة والقرارات والقوانين الدولية، ولكن كل ذلك لن يوقفني عن عزمي على إزاحة كلّ من يعترض الطريق نحو هيمنة أميركا.

لقد انتهى زمن الشراكات، والتحالفات القديمة، التي تحمّل الخزانة الأميركية، أعباء ضخمة على حساب دافعي الضرائب الأميركيين، بينما يتقاعس الشركاء عن تحمّل الأعباء عن أمنهم.

الدولة العبرية هي الدولة الوحيدة على وجه الأرض، التي ستواصل أميركا تقديم الدعم بكلّ أشكاله لها، خصوصاً بعد أن أصبحت فعلياً الولاية الـ51، والدولة الوحيدة التي لا تقول لا لترامب.

فليذهب «الناتو» إلى الجحيم، إن كان سيكون عقبةً امام تحقيق الأهداف الإستراتيجية الأميركية، إزاء الاستحواذ على غرينلاند، وإخضاع أوروبا تماماً لمتطلّبات المصلحة الأميركية، والامتثال لقرارات ترامب.

ترامب فوق كونه الرئيس الذي يملك كلّ الصلاحيات في الدولة الأعظم حتى الآن، ينصّب نفسه رئيساً لفنزويلا، ورئيساً لـ»مجلس السلام» في قطاع غزّة، ورئيس المعارضة الوطنية في إيران، ويقدّم وعوداً للبعض من فريقه، بتولّي رئاسة كوبا، وربّما لاحقاً كولومبيا والمكسيك.

لا يزال يعبّر عن غضبه تجاه النرويج لأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام، رغم أنه أكثر من يُشعل الحروب والأزمات في أكثر من مكان من العالم.

لا مجال لمراجعة ما تمّ اتخاذه من قرارات، وإجراءات، وعمليات عسكرية، لا بالنسبة لفنزويلا، ولا بالنسبة لملفات الهجرة غير الشرعية، ولا لما ينتظر جزيرة غرينلاند، التي تنتظر فقط، اعتدالاً دانماركياً وأوروبياً تنتج عنه صيغة لتحقيق رغبته في الاستحواذ على الجزيرة.

الأوروبيون الذين عبّروا عن رفضهم للسياسة الأميركية إزاء دولة عضو في «الناتو»، وحديثهم عن إمكانية تشكيل قوة عسكرية، لحماية غرينلاند، وتهديداتهم بالاستيلاء على قواعد الحلف في أوروبا، في حال نفّذ ترامب قراره، كلّ ذلك لم يُثنِه عن عزمه مهما كانت النتائج.

طبعاً لا يفهم من فكره تشكيل قوة عسكرية على أنها لمواجهة أي عمل عسكري أميركي تجاه الجزيرة، وإنما لطمأنة واشنطن، إزاء إبعاد أي دور أو نشاط تقوم به الصين أو روسيا، يمكن أن يُفهم على أنه تهديد للأمن القومي الأميركي.

بدأ الأوروبيون يرسلون إشارة إلى الاستعداد للتعاطي مع حلول من دون وقوع مواجهة عسكرية، ولكن مهما كانت النتائج فإنها ستكون إشارة قوية على وقوع الطلاق بين الطرفين.

طلاق مع أوروبا، وطلاق مع روسيا، وطلاق مع الصين، وطلاق مع معظم دول أميركا اللاتينية، ومع دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط، إنه يعني طلاقاً بائناً مع العالم القديم والقواعد التي قام عليها.

في خضمّ العاصفة الهوجاء التي تسود السياسة الأميركية وتُحدث اضطراباً واسعاً وعميقاً من المستبعد أن يستقرّ قريباً، تؤكّد المؤشّرات على أن أميركا مقبلة على توجيه ضربة واسعة لإيران.

ترامب يوجّه نداءً للمتظاهرين الإيرانيين، بأن يُبادروا إلى الاستيلاء على مؤسّسات الدولة، وأن يحفظوا أسماء من قاموا بإطلاق النار على المحتجين، الذين سقطت منهم أعداد كبيرة.

يقول ترامب: انتظروا، المساعدة قادمة، وهي مرهونة بمدى قدرة المحتجين على إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه، حتى لا يحتاج إلى جهد كبير لإسقاطه.

كثير من دول العالم «الغربي» خصوصاً، أوعزت لرعاياها مغادرة الأراضي الإيرانية من دون تأخير، وفي إشارة على قرب وقوع هجمات على إيران، قامت روسيا بإجلاء رعاياها على وجه السرعة من دولة الاحتلال، التي ترفع من مستوى جاهزيتها الدفاعية والهجومية، وفي محاولة لتحييد أو استرضاء أو استمالة الدول العربية، في حال تعرّض إيران لهجوم أميركي إسرائيلي يعلن ترامب، عن عزمه على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطّة في قطاع غزّة، والإعلان عن تشكيل اللجنة الفلسطينية التي ستدير الأوضاع تحت إشراف ملادينوف.

وفي سياق متزامن، يعلن 50 عضواً في مجلسي «النوّاب» و»الشيوخ» في ولاية جورجيا الأميركية، أنهم سيدعمون تمرير مشروع القانون الذي يحظر استخدام عبارة الضفة الغربية في الوثائق الرسمية، وأعربوا عن دعمهم للسيادة الإسرائيلية عليها، فيما يعلن سموتريتش عن شرعنة 20 بؤرة استيطانية في الضفة، هذا ليس كل شيء، ولكن لا يمكن المراهنة على السياسة الأميركية، تجاه الحقوق الفلسطينية، وهي التي تتواطأ مع عملية الضمّ الواقعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقدس المحتلتين، فمن يضحّي بحلفائه التاريخيين، سيضحّي بسهولة بمن لم يكونوا حلفاء لواشنطن في أيّ يوم من الأيّام.