كارثة غزة المستمرة: الحسابات المدمرة
نشر بتاريخ: 2026/01/14 (آخر تحديث: 2026/01/14 الساعة: 15:00)

يتواصل أمامنا مشهد الخيام المتضررة في قطاع غزة التي طار بعضها مع الريح، وبعضها تمزق، وبعضها غرق ولا يقي من المطر، والناس الذين ماتوا نتيجة البرد أو السقوط أو انعدام وسائل الحماية، كل هذا يلقي بظلال كئيبة للغاية على الواقع الإنساني في غزة. ويطرح تساؤلات كبيرة بخصوص سبب استمرار هذا الوضع الكارثي. فهل الفصائل الفلسطينية المعنية تهتم بما يجري للمواطنين، لعامة الشعب المتضرر بشدة من استمرار المرحلة الأولى من خطة الرئيس ترامب وعدم الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل الإغاثة على نطاق واسع والتعافي وإعادة الإعمار، وتخلي «حماس» عن السلطة وتسليم سلاحها، ودخول قوات الاستقرار الدولية؟

حتى الآن، «حماس» تعلن أنها مستعدة لتسليم السلطة المدنية للجنة التكنوقراط التي لم تتشكل بعد رغم تسمية بعض الأشخاص كمرشحين ليكونوا أعضاء في اللجنة. وحسب بعض المعلومات المسربة عن اللجنة، فقد تم وضع قائمة بالأسماء ولكن يبدو أن السلطة الوطنية لم توافق على بعضهم ولديها مطالب تتعلق بالعلاقة بين اللجنة والحكومة من خلال أشخاص مرتبطين بالحكومة في رام الله. أما موضوع سلاح «حماس» فلم يحسم بعد وتناور الحركة من أجل الإبقاء على السلاح الفردي لديها، وهذا غير مقبول من إسرائيل والولايات المتحدة ومن أطراف عربية عديدة. والمشكلة فيما يجري هو أن الوقت من دم ومعاناة. فكل يوم يمضي دون الدخول في المرحلة الثانية يعني قتلى فلسطينيين ويعني معاناة شديدة في ظل ظروف قاسية للغاية لا يتحملها بشر.

«حماس» لا تشعر بعامل الوقت، ولا تهتم كثيراً بما يجري في غزة، ولا باستمرار المعاناة الهائلة للمواطنين جراء الشروط المعيشية القائمة واستمرار جرائم الاحتلال، وتراهن على عامل الوقت، وعلى إمكانية تسليم إسرائيل وأطراف أخرى بوجودها حتى ضمن ما تطرحه هي بالتزامها بكل المطالب لحماية أمن إسرائيل ومنع أي هجمات مستقبلية ضدها، والموافقة على نوع السلاح الذي يمكن أن يستخدم ضد التجمعات الإسرائيلية في غلاف غزة أو أي مكان! ويبدو أن الحركة لم تستوعب الدرس من كل ما جرى من جهة ولا تبالي بالمصلحة الوطنية من الجهة الأخرى. والذي لم تفهمه «حماس» بعد هو أن الوضع بعد السابع من أكتوبر لا يمكنه أن يستمر كما كان سابقاً حتى بخضوع «حماس» لكافة الشروط. فإسرائيل التي تبدو معنية بوجود «حماس» من أجل استمرار الاحتلال المشروع الاستيطاني، لم تعد قادرة على تحمل وجود سلطة «حماس» في غزة تحت أي مبرر.

إسرائيل يمكنها أن تتعايش مع وضع مريح لا تضطر فيه للانسحاب من غزة مقابل إعمار المناطق التي تحت سيطرتها، وبقاء المناطق الأخرى التي تتواجد فيها «حماس» مؤقتاً في وضع مأساوي يدفع المواطنين للهجرة، ولكن هذا لن يدوم وستضطر في وقت ما لمهاجمة المناطق المتبقية واحتلالها بحجة أن «حماس» أعادت بناء نفسها من جديد. والإبقاء على الوجود المؤقت لحركة «حماس» في القطاع سيكون الهدف منه هو منع الانتقال الكلي للمرحلة الثانية ومنع الدخول في عملية سياسية قد تقود إلى قيام دولة فلسطينية. وهذا وضع مريح لإسرائيل لمرحلة انتقالية يساعدها في تنفيذ خططها الاستيطانية في الضفة الغربية دون أي إزعاج حقيقي.

غزة المكلومة بحاجة الآن للدخول في مرحلة جديدة تضمن وقف الاعتداءات، ولجنة التكنوقراط يجب تشكيلها فوراً بصرف النظر عن الأسماء طالما هي فلسطينية ومن أشخاص يمكنهم أن يخدموا الشعب في مرحلة مؤقتة. ويجب توفير المناخ لدخول قوات الاستقرار الدولية المقرة في الخطة وفي قرار مجلس الأمن 2803، وينبغي على «حماس» لمرة واحدة في تاريخها أن تغلب مصلحة الشعب بعيداً عن أي حسابات مدمرة لا تراعي الحاجة الماسة وطنياً وإنسانياً لإنهاء الواقع الكارثي في غزة. فبقاء «حماس» كسلطة في غزة تحت أي غطاء هو عبء على الشعب الفلسطيني وخدمة لمصلحة إسرائيل. و»حماس» بتخليها عن حكم غزة لن تختفي بل ستبقى في المشهد السياسي الفلسطيني كقوة مهمة ولكن في إطار تحوّلها إلى حزب سياسي يقبل قرارات الشعب الفلسطيني.

لن يرحم التاريخ كل من يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في استمرار المأساة الفلسطينية. ومن باب أولى أن نقوم نحن بما علينا تجاه شعبنا قبل أن نطالب الأشقاء العرب والمجتمع الدولي للانتصار لقضيتنا. فالكل بات يعلم أنه لن يحدث إعمار لغزة طالما بقي الوضع القائم على حاله ولن تساهم أي دولة عربية وغير عربية في إعادة الإعمار ولا حتى في إرسال قوات للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية طالما لم يتم نزع سلاح «حماس». فإلى متي المماطلة واللعب على الوقت المكلف جداً لكل الشعب الفلسطيني وبدرجة أساسية للمواطنين المتواجدين في قطاع غزة؟