«رغم الخصومة.. دحلان كما عرفته» — شهادةُ كتابٍ لا يجامل ولا يخاصم
نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 20:11)

حين يكتب أصحاب التجربة عن أصحاب التجربة، يتوقف الحبر احترامًا للذاكرة، وتتحول الكلمات إلى شهادات أمام التاريخ. في هذا الكتاب لا نقرأ سيرة رجلٍ عابر، بل نمسك بخيوط حكاية وُلدت من رحم المخيم، واشتدت في دوامة السياسة والأمن، ومرت بعتمة المنفى ثم خرجت أكثر صلابة ووضوحًا.

يأتي كتاب «رغم الخصومة.. دحلان كما عرفته» ليقدّم قراءة مختلفة لشخصية محمد دحلان؛ قراءة لا تنطلق من موقع الخصومة ولا منصة المجاملة، وإنما من إدراك أن هذه الشخصية كانت — ولا تزال — جزءًا مؤثرًا في المشهد الفلسطيني، صنعت حضورًا واسعًا بقدر ما أثارت الجدل. فمحمد دحلان شخصية جدلية، وقائد فلسطيني كان محطّ دراسات أكاديمية عليا — ماجستير ودكتوراه — كما تناولته كتب لروائيين وصحفيين، لتصبح تجربته مادةً تعزف عظمتها آلاتُ البحث العلمي وتستدعي اهتمام الباحثين والقراء معًا.

مؤلف الكتاب هو المستشار الدكتور أحمد يوسف صالح، أحد أبرز الوجوه الفكرية والسياسية في فلسطين. جمع بين العمل الأكاديمي والخبرة العملية، واشتُهر بخطابه الهادئ ورؤيته التحليلية المتوازنة. يحمل الدكتور أحمد يوسف درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وله مؤلفات ودراسات متصلة بالقضية الفلسطينية والحركات الوطنية والإسلامية ومستقبل النظام السياسي، كما عمل مستشارًا سياسيًا وإعلاميًا في مواقع متعددة، فكان قريبًا من دوائر القرار دون أن يفقد روح الباحث الموضوعي.

يتألف كتاب «رغم الخصومة.. دحلان كما عرفته» من عشرة فصول تمتد من النشأة الأولى في المخيم إلى الحضور السياسي الراهن، ويتناول محطات مفصلية في مسيرة الرجل؛ من تأثير بيئة المخيم القاسية في تشكيل شخصيته، إلى سنوات الشباب وروح الفتوة التي صقلتها التجربة، ثم التحول إلى رجل أمن في مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد، مرورًا بالدور البارز قرب الرئيس الراحل ياسر عرفات ثم مع الرئيس محمود عباس، وصولًا إلى الخلافات السياسية وما ترتب عليها من إقصاء ومغادرة الوطن، فتأسيس التيار الإصلاحي داخل حركة فتح ومحاولات ترميم البيت الداخلي، والانفتاح على القوى الوطنية وفي مقدمتها حركة حماس، وطرح رؤى سياسية حول مستقبل الصراع، ومن بينها خيار الدولة الواحدة، ثم الدور الإنساني بعد حرب غزة، خاصة في عملية «الفارس الشهم 3» الإماراتية، إضافة إلى شهادات سياسية وإعلامية وأكاديمية ترسم صورة متعددة الأبعاد للرجل.

ويمتزج في هذا الكتاب السرد الإنساني مع التحليل السياسي، ليقدّم صورة تجربة مكتملة الملامح، عبرت محطات الشك والاتهام والخصومة دون أن تغيب عن ميدان الفعل. يظهر محمد دحلان هنا ابنَ مخيم حمل هموم الناس مبكرًا وصاغته أم قوية وإرادة عصامية، ورجلَ أمن صارمًا في زمن الفوضى أحاطته الاتهامات كما يحيط الغبار بساحات المواجهة، وسياسيًا ومفاوضًا اقترب من النار وعرف كواليس القرار الفلسطيني، ثم خصمًا مُبعدًا ظُنّ سقوطه، فإذا بالإبعاد يتحول إلى بداية جديدة.

وانقلب السحر على الساحر؛ فبدل أن يكون الإقصاء نهايةً، تحوّل إلى بداية أخرى أكثر حضورًا، وهو خارج المشهد الرسمي، مثبتًا أن الحضور الحقيقي لا تصنعه المناصب، بل تصنعه القدرة على الفعل، وشبكة العلاقات، وقراءة اللحظة الإقليمية والدولية.

لا يرسم هذا الكتاب صورة ملاك أو شيطان؛ بل يرسم إنسانًا عبر النار ولم يحترق. حاول البعض طيّ صفحته، لكن الصفحات التي أُريد لها أن تُغلق فتحت فصولًا جديدة. لم يكن الإقصاء نهاية، بل كان منعطفًا تاريخيًا أعاد تعريف الرجل ودوره وموقعه.

اليوم يُذكر اسم محمد دحلان لا بوصفه ضحية ولا خصمًا فحسب، بل فاعلًا سياسيًا اجتاز العاصفة وبقي حاضرًا. فالتاريخ لا يُكتب بالضجيج، بل بمن يبقى واقفًا عندما تهبّ الرياح.