حين يصبح الانقسام عارًا لا خلافًا سياسيًا ..
نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 20:23)

منذ أكثر من عقد ونصف، يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله قسوة وتعقيدًا، حيث لم يعد الاحتلال وحده هو العبء الأكبر، بل أصبح الانقسام الداخلي جرحًا مفتوحًا ينزف في كل لحظة، ويزداد عمقًا مع كل أزمة، حتى وصل اليوم إلى حدٍّ لا يمكن تبريره سياسيًا ولا أخلاقيًا ولا وطنيًا، خصوصًا في ظل ما تتعرض له غزة من حرب مفتوحة ودمار شامل.

الانقسام… فشل مزمن لا خلاف عابر

على مدار سنوات الانقسام، عجزت الفصائل الفلسطينية، بكل أطيافها وتوجهاتها، عن توحيد النظام السياسي الفلسطيني تحت حكومة واحدة، قادرة على إدارة شؤون الناس بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة. فشلت كل الاتفاقات، من مكة إلى القاهرة، ومن الدوحة إلى الجزائر، وبقي الانقسام سيد الموقف، بينما كان المواطن الفلسطيني هو الخاسر الوحيد.

لم يكن هذا الفشل تقنيًا أو إداريًا، بل كان فشل إرادة سياسية، حيث غُلّبت المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية، وتحوّلت السلطة إلى غاية بدل أن تكون وسيلة لخدمة الشعب.

عامان من الحرب… ولم تتوحد الفصائل

الأكثر إيلامًا، وربما الأكثر خزيًا، أن عامين من الحرب، وآلاف الشهداء، ودمار المدن، وتشريد السكان، لم تكن كافية لتوحيد الفصائل الفلسطينية. كل هذا الدم لم ينجح في كسر جدار الانقسام، وكل هذه التضحيات لم تُترجم إلى موقف وطني جامع.

في أي تجربة تحرر وطني في العالم، كانت الحروب الكبرى لحظة وحدة، لا لحظة تشرذم. أما في الحالة الفلسطينية، وتحديدًا في غزة، فقد بدت الفصائل وكأنها تعيش خارج المأساة، أو تتعامل معها كحدث يمكن استثماره سياسيًا بدل أن يكون سببًا لإنهاء كل الخلافات.

حكومة التكنوقراط… حل مؤجل أم فرصة ضائعة؟

في خضم هذا العجز، عاد الحديث مجددًا عن حكومة تكنوقراط، حكومة كفاءات مستقلة، لا حزبية، تتولى إدارة المرحلة، وخصوصًا ملف غزة: الإغاثة، إعادة الإعمار، توحيد المؤسسات، وترتيب البيت الداخلي.

لكن السؤال الجوهري ليس: هل حكومة التكنوقراط فكرة جيدة؟

بل: لماذا لم تُشكَّل حتى الآن؟

إن القبول بحكومة تكنوقراط يعني ضمنيًا أن الفصائل تعترف بفشلها في إدارة المرحلة، وهذا ما يبدو أن كثيرين لا يريدون الاعتراف به. فبدل التنازل لصالح الوطن، ما زالت بعض الفصائل تبحث عن:

مسميات سياسية

حصص وزارية

امتيازات حزبية

تمثيل شكلي لا يخدم الناس

وكل ذلك يحدث بينما غزة تُدفن تحت الركام.

العار السياسي والأخلاقي

من العار، بكل المقاييس، أن يمضي كل هذا الوقت دون حكومة موحدة.

ومن العار الأكبر أن تستمر الفصائل في مساومات سياسية بينما الناس في غزة بلا مأوى، بلا كهرباء، بلا علاج، وبلا أفق.

العار ليس في الاختلاف السياسي، بل في الاستمرار فيه وقت الكارثة.

العار ليس في تعدد الفصائل، بل في عجزها عن الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية.

غزة لا تحتاج شعارات… بل إدارة وطنية

غزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات ثورية، ولا إلى بيانات فصائلية، ولا إلى سباق على “من يمثل المقاومة أكثر”. غزة تحتاج إلى:

إدارة وطنية موحدة

قرار سياسي شجاع

حكومة تعمل لا تتصارع

قيادة ترى في الوحدة واجبًا لا خيارًا

حكومة تكنوقراط حقيقية، بصلاحيات واضحة، ومرجعية وطنية جامعة، قد تكون الحد الأدنى المقبول لإنقاذ ما تبقى، إن وُجدت إرادة حقيقية لذلك.

إن استمرار الانقسام في ظل حرب الإبادة التي تتعرض لها غزة ليس مجرد فشل سياسي، بل سقوط أخلاقي كامل. فالتاريخ لن يرحم، والدم لا يُمحى بالبيانات، والناس لن تنسى من قدّم مصلحته الحزبية على دم أطفالها.

إما أن تكون غزة نقطة ولادة لوحدة وطنية حقيقية،

أو ستبقى شاهدًا على أن الانقسام كان أقوى من الدم،

وهذا ما لا يليق بشعب قدّم كل هذا الثمن.