ما الذي ينتظر الضفة بعد غزة ؟
نشر بتاريخ: 2025/08/30 (آخر تحديث: 2025/08/31 الساعة: 19:37)

بعد أن ينجلي غبار الحرب على غزة، سيبقى المشهد الفلسطيني مفتوحًا على أسئلة كبرى لا يمكن تجاهلها. فالهجوم الإسرائيلي على القطاع لم يكن مجرد معركة عسكرية محدودة الأهداف، بل كان حربًا شاملة على مجتمع كامل، أرادت من خلالها إسرائيل أن تُعيد رسم معادلات الصراع. ومع ذلك، ما إن تنطفئ النيران في غزة حتى تطل أسئلة آخرى: هل الضفة الغربية هي الساحة المقبلة؟ وإذا كانت كذلك، فهل ستكون الحرب فيها شبيهة بما حدث في غزة أم أنها ستأخذ شكلًا مختلفًا تمامًا؟

الضفة الغربية تختلف جذريًا عن غزة. المشهد فيها أكثر تعقيدًا: الجغرافيا مفتوحة، المستوطنات تتغلغل في عمق القرى وتطوق المدن، والاحتلال حاضر في كل تفاصيل الحياة اليومية. لهذا فإن شن حرب شاملة بأسلوب القصف والتدمير الشامل الذي عُرف في غزة يبدو أمرًا بعيدًا أو غير واقعي. لكن هذا لا ينفي أن الضفة قد تكون مقبلة على نوع آخر من الحرب، حرب أكثر مواربة ودهاء، لكنها لا تقل فتكًا.

إسرائيل تدرك أن أي حرب مفتوحة على الضفة ستعني احتمال انهيار السلطة الفلسطينية، وهو ما لا تريده لأنها ستضطر عندها إلى إدارة حياة ملايين الفلسطينيين مباشرة. لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع ترك الضفة لتتحول إلى ساحة مقاومة متصاعدة. وهنا يظهر البديل: "الحرب الزاحفة". هذه الحرب لا تُشن بضربة واحدة، بل على شكل طعنات متتالية، يومية، تجعل الجسد الفلسطيني يننزف باستمرار دون أن يموت نهائيًا. اغتيالات، اقتحامات متكررة، حصارات محدودة على مدن وبلدات ومخيمات، إلى جانب توسع استيطاني متسارع، وتشديد الخناق الاقتصادي. كل ذلك يشكّل ملامح المرحلة المقبلة.

ومن يتابع المستجدات الأخيرة يدرك أن الضفة تعيش أصلًا في قلب هذه الحرب البطيئة. ففي قرية المغير جرفت قوات الاحتلال حقول الزيتون ونهبت أموال الأهالي في صورة صارخة من صور الاستهداف الممنهج للأرض والرزق. وفي قلب رام الله، هوجمت المنطقة التجارية، لتتحول الحياة المدنية إلى ساحة مواجهة اقتصادية ونفسية. وفي نابلس، تعرّضت البلدة القديمة لاجتياح جديد، يضاف إلى سلسلة اقتحامات متكررة جعلت مدن الضفة تعيش حالة استنزاف دائم. هذه الأحداث ليست معزولة، بل هي تجسيد يومي لسياسة الطعنات المتكررة التي تضعف الجسد الفلسطيني دون أن تقضي عليه.

من المؤكد أن الحرب القادمة لن تكون عسكرية فقط. الاقتصاد سيكون سلاحًا مركزيًا. آلاف العمال الفلسطينيين يعتمدون على العمل داخل الخط الأخضر، والاحتلال يعرف كيف يستخدم هذه الورقة للضغط. قطع التصاريح، تقليص موارد المياه والكهرباء، أو فرض عقوبات مالية على السلطة، كلها أدوات تجعل حياة الناس أكثر هشاشة، وتحوّل لقمة العيش إلى أداة ابتزاز سياسي. ومع تصاعد الخطاب الفاشي في إسرائيل، قد نرى أيضًا قوانين أشد قسوة في الاعتقالات الإدارية أو في تحويل مدن في الضفة إلى مناطق عسكرية مغلقة بشكل دائم.

المعادلة إذن مزدوجة: حرب زاحفة تسعى إسرائيل إلى إدارتها بأقل تكلفة ممكنة، مقابل بيئة فلسطينية قد تتحول إلى بؤرة مقاومة واسعة إذا فُرض عليها الخنق الكامل. هنا تكمن خطورة المستقبل. فالضفة قد تدخل في مرحلة استنزاف طويلة، تجعلها تنزف دون أن تصل إلى انفجار شامل، لكن هذا الوضع غير مضمون. فالتاريخ الفلسطيني مليء بلحظات الانفجار المفاجئة التي لم يتوقعها أحد.

على المدى البعيد، يبدو أن إسرائيل تراهن على إنهاك الضفة، وتجفيف مواردها، وتعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني. لكنها تراهن أيضًا على عالم منشغل بأزمات أخرى، وعلى منظومة دولية تفتقر إلى الإرادة السياسية لردعها. في المقابل، الفلسطينيون يراهنون على قدرتهم على إعادة تعريف الصراع في الضفة، وعلى إبقاء القضية حيّة في الوجدان العالمي، كما فعلت غزة حين قلبت الطاولة وأعادت فلسطين إلى واجهة الأخبار الدولية.

الواقع إذن ليس أسود بالكامل ولا أبيض بالكامل. هناك قدر كبير من التشاؤم الواقعي المرتبط بتصاعد الاستيطان، وتغلغل الاحتلال في كل تفاصيل الضفة، واحتمال تحوّل حياتها اليومية إلى جحيم بطيء. لكن هناك أيضًا فسحة للتفاؤل، كامنة في عناد الفلسطينيين، في إصرارهم على البقاء فوق أرضهم رغم كل أشكال الضغط، وفي حقيقة أن الاحتلال – مهما بدت قوته – لا يملك القدرة على إخضاع شعب بأكمله إلى الأبد.

بعد غزة، قد لا نشهد حربًا شاملة على الضفة بمعناها العسكري الكلاسيكي، لكننا بالتأكيد أمام حرب أخرى، أوسع أفقًا وأكثر صمتًا، تستهدف الأرض والإنسان في آن واحد. السؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو: هل يستطيع الفلسطينيون تحويل هذه الحرب البطيئة إلى لحظة مقاومة جديدة بأدوات متعددة، أم أن إسرائيل ستنجح في فرض واقعها بالتدريج؟

الضفة الغربية تقف على عتبة سيناريوهات صعبة، بل إن بعضها قد يكون كارثيًا. فالمشهد الراهن يكشف عن أشكال مختلفة من الحرب التي قد تتبدى بطرق متباينة. السيناريو الأقرب للواقع هو ما يمكن وصفه بـ"الحرب الزاحفة"، وهي حرب بطيئة ومستمرة، تقوم على الاقتحامات المتكررة، والاغتيالات المحدودة، وحصار بعض المدن والمخيمات لفترات، بالتوازي مع توسع استيطاني سريع يستغل انشغال العالم بما بعد غزة.

لكن هذا السيناريو ليس الوحيد. فقد تميل إسرائيل إلى خيار آخر يبدو أكثر "نعومة" لكنه أشد خطرًا على المدى البعيد: الضم التدريجي تحت غطاء الهدوء الأمني. في هذا المسار، يجري استخدام سياسة العصا والجزرة؛ حيث يتم تخفيف بعض الإجراءات الأمنية أو تحسين شروط حياة محدودة، مقابل القبول الضمني باستمرار التوسع الاستيطاني وترسيخ سيادة إسرائيلية فعلية على أجزاء واسعة من الضفة. هذا السيناريو يخلق واقعًا جديدًا على الأرض، يكرّس فكرة الجزر الفلسطينية المعزولة وسط بحر من المستوطنات، ويجعل أي تسوية سياسية مستقبلية شبه مستحيلة.

إلى جانب ذلك، يلوح في الأفق خطر آخر يتمثل في "التهجير الصامت". إذ إن تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتضييق الحياة على الفلسطينيين في بعض المناطق الساخنة، قد يدفع عائلات بأكملها إلى النزوح الداخلي كما في مخيمات شمال الضفة، أو حتى إلى الهجرة الخارجية. وهو مسار يخدم المشروع الإسرائيلي بعيد المدى في تقليص الوجود الفلسطيني على الأرض دون الحاجة إلى إعلان حرب أو تنفيذ تهجير جماعي ظاهر.

وعليه، فإن مستقبل الضفة يتأرجح بين حرب زاحفة تستهلك قواها على المدى الطويل، وضم تدريجي يحاول تثبيت الوقائع على الأرض، وبين انفجار شعبي غير متوقع قد يعيد صياغة المشهد بأسره. الاحتمال الأكبر أن تتعايش هذه السيناريوهات معًا في صورة مركبة، بحيث تتقدم الحرب البطيئة والاستيطان كخيار رئيسي، بينما يظل الانفجار الشعبي أو تشكّل مقاومة أكثر صلابة كخطر كامن في الخلفية، ينتظر الشرارة ليندلع. وفي كل الأحوال، فإن الضفة الغربية تبدو مقبلة على مرحلة حاسمة، قد تحدد ليس فقط مستقبلها، بل مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها.

ما هو أكيد أن الضفة الغربية ستبقى قلب الصراع، وستظل هي المحك الذي يُقاس عليه مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله. فإما أن تتحول إلى ساحة خنق صامت، أو أن تنهض لتكتب فصلًا جديدًا من فصول المواجهة. وفي كلا الاحتمالين، فإن ما بعد غزة لن يكون استراحة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع، أكثر تعقيدًا، وأكثر حسمًا لمصير الأرض والشعب.