نقطة ضوء.. حين تصبح فتح بحاجة إلى فتح
د. عدنان ملحم
نقطة ضوء.. حين تصبح فتح بحاجة إلى فتح
الكوفية تعوم البلاد على مستنقع آسن من العجز والفساد والتيه والفقر واللامبالاة. حقيقة واضحة للعيان، لم تعد سرا أو ادعاء أو رواية كاذبة . الحصار والأزمات والمخاوف والفضائح تتراكم وتنتشر في كل مكان ، حتى باتت البلاد تقبع على فوهة بركان ، أو كأنها تقيم داخل حقيبة سفر، لا تعرف إلى أين تمضي . ويجمع الشعب الفلسطيني قاطبة ، دون تردد ، على تحميل كياناته السياسية والاقتصادية والوطنية المسؤولية الكاملة عما أصابه من ويلات وإخفاقات .
فشل النظام السياسي والوطني الفلسطيني في بناء نموذج حكم مؤسساتي نزيه ، وإقامة نظام عادل ، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة السليمة مع شعبه. فانهارت القيم ، وتحولت المناصب إلى غنائم ، والثروة إلى معيار ولاء ، والسلطة إلى أداة نفوذ وحكم . ضاعت البلاد ، وتشتت العباد ، وتآكلت الهويات ، وخسرنا أنفسنا قبل أن نخسر الأرض .
قلنا لكم : زواج الثورة مع السلطة خطيئة مكتملة الأركان ، وزواجها بالثروة خيانة ، والتحالف مع المال والمصالح ، حين يسخر القانون لخدمتها ، فساد . وتوريث المناصب وهندسة الولاءات انهيار ، والعجز عن حماية الناس والدفاع عنهم والوقوف إلى جانبهم ذل وخنوع .
وقلنا لكم : إن تحالف حركة فتح مع السلطة كان خيارا مدمرا ؛ أطاح بروحها ، وأضاع بوصلتها ، وشتت رسالتها ، وحاصرها في مربعات وأولويات ضعيفة وخاسرة ، وحوّل أعضاءها إلى موظفين محاصرين في زنازين الحكم والمال .
وقلنا لكم : إن الأحزاب والحركات الثورية العربية التي استلمت الحكم تهاوت وسقطت في خطايا الاستبداد . ابتعدت عن الناس ، وسكنت الأبراج العالية ، ونسيت لغتهم ، وارتكبت المحرّم الوطني ، فدمرت نفسها ، وسحقتها شبكات المصالح ، قبل أن تسقطها شعوبها .
ويجب الاعتراف بأننا جميعًا نتحمل مسؤولية هذه الجريمة الوطنية النكراء . الصمت تواطؤ ، والحياد خيانة ، والتصفيق للفاسد فساد ، وتقديمه إلى الأمام خطيئة .
ويجب الاعتراف بأن نزول الثوار عن قمم المبادئ والجبال ، واستقرارهم في القصور ، وارتهانهم للمكاسب والمغانم والمناصب ، اغتيال لروح الثورة ، وتمزيق لجسد الوطن ، وتحويل للبلاد إلى سوق للنفوذ والثروة ، وميدان سباق على المواقع والمصالح ، وكهوف للخوف واللاوعي واللامبالاة .
ذابت الفصائل في أتون الحكم ، وتحول روادها إلى موظفين مشتتين ، حائرين ، صامتين ، تطوق أعناقهم أغلال الديون والفقر والبطالة والصمت .
ويجب الاعتراف بأن مسار السلام لحل القضية الفلسطينية قد انتهى فعليًا ، وأن الارتهان إليه وحده كان خطيئة كبرى، ومدخلًا استغله العدو لإكمال مشروعه الصهيوني الاستيطاني الإحلالي ، ونحر كل الاتفاقات والتفاهمات الثنائية والدولية والإقليمية .
ويجب الاعتراف بوصول القطار الثوري إلى طريق مسدود ، وارتطامه بواقع فلسطيني منقسم ومشتت، محدود الإمكانات، ومحاصر بقوة الأعداء ، ومثقل بتعدد الاجتهادات وغياب الأولويات والاستراتيجيات .
ويجب الاعتراف بموت النضال الجماهيري والمجتمعي ، ودفنه في مقابر اللامبالاة والفزعات والمزاجيات ، وسط ندرة الإمكانات وغياب الخطط .
الأمل الأخير : هو عودة حركة فتح إلى عقلها ، وإلى شعبها وجماهيرها وناسها في كل موقع ومكان ؛ تشاركهم تفاصيل حياتهم وعمق تجاربهم ، وتفهم أشكال صمودهم ، وتكون حاضرة في أفراحهم وأحزانهم ، ومشاكلهم وجوعهم وخوفهم وأمراضهم .
والأمل الآخر : هو عودة قيادات وكوادر وحماة الأرض المحتلة ، جنودها الذين قادوا العمل الوطني في الانتفاضات والهبات ومجالس الطلبة والنقابات والاتحادات ولجان الشبيبة ، إلى مواقع القرار وجغرافيا البلاد .
أما الأمل الحاسم : فهو خلق تمايز، أو فصل واضح، بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح ؛ لأن دمجهما خطف روح الحركة ونهجها وبوصلتها ورسالتها ، ولوّث سمعتها، وأصاب جسدها بالشلل ، وحوّلها إلى أداة وتابع لدوائر النفوذ ، تشكّل مواقفها وفق نظريات الحكم واتفاقاته وتحالفاته ، حتى عُرّيت من نهجها وتاريخها وصورتها .
أيها الفتحاويون :
فتح لم تولد لتكون غطاء للفاسدين ، ولا سلما للوصوليين، ولا مظلة للظالمين ، ولا ملجأ للعاجزين ، ولا عصابة للطامعين ، ولا ممرًا للمهربين ، ولا ساحةً للمهزومين .
فتح أم الشهداء والأسرى والجرحى ، وحاضنة الفقراء والمهمّشين ، وحارسة المخيمات والبلدات والقرى والأغوار . فتح ملك الناس جميعًا ، وأملهم وحلمهم وسفينتهم .
أيها الفتحاويون :
كان المؤتمر الثامن لحركتنا مذبحاً دامياً للتنظيم والنضال والكفاءات والتاريخ والجغرافيا ، ومسرحية متقنة للنفوذ والميراث والمال والمحاور والولاءات . دفنوا روح حركة فتح ، وأرواحنا معها، من أجل رسم خريطة جديدة وصورة حديثة للمشهد الفلسطيني المصلوب .
الانتخابات التشريعية القادمة ، إما أن تكون عملية تطهير وبناء ، وإعادة حشد للطاقات ورصّ الصفوف ، أو أن تكون اكتمالًا لسقوط الجغرافيا ، وتهويدًا للتاريخ والبلاد ، ونهاية جيل شجاع .
يجب أن يسلم الشعب الفلسطيني مولوده المنتظر لأيد نظيفة، قادرة ، معطاءة ، غير ملوثة بالفساد والتزوير والفشل . فالوطن محاصر من كل صوب وحدب ، والأمواج عاصفة غاضبة ، والسفينة توشك على الغرق ، والميناء يعيث فيه الخراب .
فلسطين قلعتنا ، ومعركتنا الأخيرة ؛ ممنوع أن تهزم أو تستباح . وشعبها العظيم يستحق الحياة والحرية ، فقد خذلته حركته الوطنية كثيرا ، وأشبعت جسده سهام الغدر والفرقة .
وحركة فتح أمل الشعب الفلسطيني ، وحصانه الأصيل القادر على توحيد الناس وجمعهم حول رؤية واحدة ، وبث روح الأمل في نفوسهم ، واستعادة ثقتهم بقدراتهم وإمكاناتهم ، وإعادة الوعي إلى دواخلهم .
آن الأوان ليصرخ الناس جميعًا ، وبصوت عالٍ : كفى عبثا بفلسطين وحركة فتح . آن أوان أن يرحل كل من أثقل كاهلهما بالأخطاء ، وأساء إلى صورتهما . فليتركوا للناس حقهم في الأمل ، وللوطن فرصة لاستعادة عافيته . لن يغفر التاريخ خطايانا ، ولن تغفر الجغرافيا ضياع البلاد ، وتيه العباد ، ووجع الأصفاد .