أميركا تستغني عن دور الوسيط الإسرائيلي
رجب أبو سرية
أميركا تستغني عن دور الوسيط الإسرائيلي
من يرد أن يقرأ التفاصيل المتعلقة بأسماء مجلسي السلام، الإشرافي والتنفيذي، الخاصين بإدارة قطاع غزة ما بعد حرب العامين المنصرمين، فقط، دون قراءة الإطار العام، سواء ذاك الذي تحدد بخطة ترامب ذات العشرين بندا، أو دلالات تشكيل المجلس، يجد انه ليس مجلسا دوليا، وذلك لأنه لم يتشكل من قبل الأمم المتحدة رسميا، وإن كانت الخطة حصلت من قبل على موافقة مجلس الأمن، ولا هو بالمجلس الإقليمي، بمعنى أن قيادته إقليمية، ولكن هو مجلس أميركي ذو بعد دولي، ناجم عن وجود قادة عالميين، ومحتوى إقليمي، ناجم عن وجود قادة إقليميين يمثلون دولا شرق أوسطية مركزية، كما أن له بعدا، وهذا مهم جدا بتقديرنا، وهو البعد الفلسطيني، والناجم عن كون مجلس الإدارة التنفيذي فلسطينيا خالصا.
وإدارة قطاع غزة، بهذا الشكل لم ترضِ تماما الجميع بالطبع، خاصة طرفي الحرب، أي إسرائيل من جهة، وفصائل المقاومة من جهة أخرى، كما أنها لم تنطبق تماما، مع ما كانت تطالب به اهم الأطراف ذات العلاقة بقطاع غزة، وبالتحديد نقصد، السلطة الفلسطينية، والتي هي المسؤول السياسي أولا وأخيرا عن الشعب الفلسطيني، وعن الأرض الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل منذ العام 67، أي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، كما نقصد أيضا الطرف الثاني من حيث الأهمية وهو مصر، الجار الوحيد مع إسرائيل لقطاع غزة، والتي طالما اعتبرت ومنذ فجر التاريخ قطاع غزة جزءا من أمنها الإقليمي، لأنه نافذتها على الشرق الآسيوي، التي طالما فتحت على الداخل المصري حروبا خارجية منذ الهكسوس، إلى إسرائيل نفسها، مرورا بالمغول والصليبيين.
وقد يكون من المرهق على هذا المقال، أن نسترجع ولو سريعا، أهداف الحرب على طرفيها، لنقف عند حدود ما تحقق منها، وما لم يتحقق، لكن ذلك مفيد دون شك، فإسرائيل التي كانت اكثر وضوحا من «حماس» في تحديد أهدافها السياسية والعسكرية، كانت طوال عامي الحرب تعلن أولا تهجير سكان القطاع، ليكون بمقدورها ضمه وإعادة استيطانه، خاصة بعد أن قال دونالد ترامب «بريفييرا الشرق الأوسط» في شباط من العام الماضي، وهذا أبعد هدف حددته إسرائيل، لأن الأهداف السياسية والعسكرية الأخرى كانت دون هذا الهدف، أو كانت تؤدي إلى تحقيقه، نقصد هدف إسقاط نظام حكم «حماس» مع منع السلطة من العودة لإدارة القطاع، وإسقاط نظام «حماس» يتطلب بالضرورة تدمير قوتها العسكرية، ومن ثم تجريدها من السلاح، وحاولت إسرائيل إنشاء الميليشيات العميلة للمساعدة في تحقيق هذا، لكن هذا مع «مجلس السلام العالمي» لا يتحقق، لكنه لا يغلق الباب تماما أمام تحقيقه بشكل ما، أما هدف «حماس» فكان تحقيق هدف تبييض السجون، بما يعني إحكام سيطرتها على القيادة الفلسطينية في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس.
وكانت «حماس» تظن على الأغلب بأن رد الفعل الإسرائيلي لن يبتعد كثيرا إلى الحد الذي وصل إليه فعلا، وهي على الأرجح، لم تنطلق من حقيقة كون اليمين الفاشي الإسرائيلي، الذي أسسه بنيامين نتنياهو منذ ثلاثة عقود، مع رعايته للانقسام الفلسطيني، بما يتضمنه من حكم خاص لـ»حماس» في غزة، سيجد في «طوفان الأقصى» ضالته لتحقيق الهدف الذي خطط له طوال تلك السنين، وكانت تظن انه يمكنها أن تحتمل رد الفعل العسكري، الذي سيكون اكبر إلى حد ما من الحروب السابقة، ولكن ليس لدرجة أن يسعى نتنياهو إلى إسقاط «حماس» وإخراجها من قطاع غزة، لأن بديل ذلك سيكون عودة السلطة بما يعني إنهاء الانقسام، وهذا خط احمر إسرائيلي.
مجلس السلام، إذاً، يحقق نصف ما سعت إليه إسرائيل، وهو إسقاط نظام حكم «حماس» في قطاع غزة، مع عدم تسليمه، على الأقل فورا للسلطة الفلسطينية، أما «حماس» فقط «حققت» إنجازا ولكن بثمن باهظ جدا على الحساب الفلسطيني متمثلا بنحو ربع مليون، أو 10% من سكان القطاع بين شهداء وجرحى، وتدمير كامل القطاع، وإعادته للوراء عشرات السنين، ودفعت هي ثمنا باهظا نجم عن مغامرتها غير المحسوبة تماما، وهو فقدانها للحكم في قطاع غزة، وفقدان قوتها العسكرية، وفقدان جزء من قيادتها السياسية ومعظم قيادتها العسكرية، بينما لم يتعزز لا وجودها ولا نفوذها مقابل كل هذا في الضفة الغربية، وإن كانت الأمور لم تنتهِ تماما، لأن الرهان هو على استخدام تكتيك «الانحناء للعاصفة».
وبالنسبة للتفاصيل المتعلقة بمجلس السلام، فلا بد من قراءة أولا كون المجلس مشكلا من ثلاث دوائر، الأولى هي الدائرة الإشرافية أو «البورد» القيادي الذي له وظيفة الدعم السياسي، وربما رسم الإطار والمسار العام، وهو المشكل من رؤساء الدول، حيث أبدى حتى الآن رؤساء حكومات كندا وبريطانيا وإسبانيا موافقتهم على عضوية المجلس الذي سيترأسه ترامب شخصيا، بينما وجه ترامب الدعوة لرئيسي مصر وتركيا لعضوية هذا المجلس، وهذا ما أفقد نتنياهو صوابه، لأنه رغم أن العديد من أعضاء المجلس هم قادة أوروبيون والمهم هو أن رئيسه هو ترامب نفسه، بما يعني بأن أصدقاء إسرائيل وحلفاءها التقليديين هم من يديرون دفة إدارة غزة ما بعد الحرب، والتي ظلت طوال عامين عقد منشار وقف الحرب، إلا أن وجود مصر وتركيا سيكون مؤثرا جدا، لأنه يعزز من نفوذ الدولتين إقليميا، وفي نفس الوقت سيكون له وزن كبير جدا في تحديد طبيعة قرارات المجلس نظرا لكونهما «أهل مكة» الأدرى بشعابها.
بعد ذلك هناك الدائرة التنفيذية المشكلة بمعظمها من أميركيين، لكن مع وجود حسن رشاد وهاكان فيدان وعلي الذوادي، سيكون هناك توازن أو تأثير إقليمي، أثار حفيظة إسرائيل، وهذه الدائرة هي بمثابة حكومة قطاع غزة التي ستقوم بترجمة الخطوط العامة للمجلس الأعلى إلى خطط على الصعيدين المدني والعسكري، وبتقديرنا أراد الأميركيون من تشكيل هذا المجلس توضيح أن غزة ستدار أميركيا، ثم هناك اللجنة المدنية المحلية، والتي هي أشبه بمجلس بلدي، وبالطبع هذا المجلس سيعتمد على أداتين تنفيذيتين لتحقيق خططه وبرامجه، وهما الأداة المدنية المحلية، أي لجنة تكنوقراط غزة، وقوة الاستقرار العسكرية، والتي على طبيعة تشكيلها الذي لم يتم بعد، سيتحدد مصير خطة ترامب، حيث سيجد مجلس السلام مشكلة حقيقية في الموازنة بين التقدم على صعيد التنفيذ المدني، أي الإعمار وإعادة الحياة بما يشمل إدخال المساعدات وفتح معبر رفح والمعابر مع إسرائيل، وربما يذهب بعيدا بتدشين ميناء غزة ومطارها، وبين التنفيذ العسكري بالاتجاهين، أي الإسرائيلي الخاص بالانسحاب من الخط الأصفر للحدود الدولية السابقة، وتجريد «حماس» من سلاحها.
المهم في الأمر بعد هذا هو الدلالة التي ينطوي عليها تشكيل «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي، ثم بتشكيلات المجلس بدوائره والتي ستقوم لاحقا بتشكيل لجان فرعية اختصاصية، في أمور الصحة والتعليم والشرطة، والذي أخذ بعين الاعتبار تأثير دول إقليمية عديدة، وليس إسرائيل وحسب، ومن يتتبع الدور الأميركي خلال حرب سعت إسرائيل خلالها لاحتلال مكانة الدولة الإقليمية العظمى الوحيدة، وذلك استنادا إلى دور إسرائيل التاريخي في تنفيذ السياسة الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وهو دور الوكيل الحصري، ينتهي بالنتيجة إلى أن أميركا «اضطرت» للقيام بتلك المهمة بنفسها، وبدلا من أن تفرض إسرائيل بقوتها العسكرية الهيمنة على الشرق الأوسط، اتضح أنها ما زالت بحاجة للقوة الأميركية من أجل حماية نفسها!
هكذا تتحدد معالم شرق أوسط جديد، تريد أميركا منه أن يساعدها في تعزيز نظامها العالمي المتداعي، لا أن يحقق لإسرائيل نظامها الإقليمي الخاص، وما إشراك دول شرق أوسطية مركزية مثل مصر وتركيا، كذلك السعودية وقطر، وحتى الإمارات، ومن بعد باكستان واندونيسيا، إلا دليل على «تحجيم» إسرائيل، ولعل دلالات هذه الحالة قد بدأت في لقاء ترامب مع الدول العربية ــ الإسلامية الثماني في أخر أيلول الماضي في نيويورك، ذلك اللقاء الذي أفضى لخطته الجاري تنفيذها في مرحلتها الثانية، بتشكيل مجلس السلام وهو المجلس الذي يدير قطاع غزة، في اليوم التالي للحرب.
وتشكيل المجلس والانتقال للمرحلة الثانية من الخطة، يعني إعلان نهاية الحرب فعليا، وحين يقول الأميركيون، إن غزة صارت شأنا أميركيا، فهذا يعني أن لا سلطة لإسرائيل لا أمنية ولا مدنية على القطاع، وان مستقبل القطاع سيتحدد وفق المصلحة الأميركية، وليس وفق المصلحة الإسرائيلية، ولا حتى المصلحة الفلسطينية بالضرورة، إلا أن الباب يبقى مواربا، بناء على أمرين، هما ما سيواجهه التنفيذ من عقبات أو مشكلات ميدانية قد تحرف مساره ولو بعد حين، خاصة نحو الوجهة الفلسطينية، ارتباطا بحل الدولتين، كما يريد العالم والإقليم، كذلك على ما سيترتب على السياسة الخارجية الأميركية بعد ترامب، أو حتى بعد اشهر، في حال فاز الديمقراطيون بأغلبية الكونغرس.