نشر بتاريخ: 2026/01/13 ( آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 13:47 )
نبيل عمرو

جديد ترامب في موقعة فنزويلا

نشر بتاريخ: 2026/01/13 (آخر تحديث: 2026/01/13 الساعة: 13:47)

انشغلَ السّياسيون والمحلّلون والباحثون في استنباط دلالاتٍ انطوت عليها عمليةُ ترامب في فنزويلا، ولوحظَ تكرار فكرةِ أنَّ الرجل ألغى القوانينَ الدوليةَ التي تمنع عملاً كالذي قام به، مع تحذيرٍ من محاكاته من قبل دولٍ أخرى في اختطافِ رئيس دولةٍ ذاتِ سيادة، ونقله مخفوراً ليمثل أمام محكمةٍ في بلدٍ آخر.

وكثر استخدام «زيلينسكي» بوصفه ضحية محتملة إذا قرَّر بوتين محاكاة ترامب فيما فعل، وكذلك الأمر مع الصّين إذا قرَّرت تغيير رئيس تايوان.

الجديد اللافت في موقعة ترامب - فنزويلا، هو المشهد السينمائي المبهر الذي صوّر العملية، فمنذ استيقاظِ الرئيس مادورو وزوجته من النوم، وجدا نفسَيهما وبعد عمليةٍ خاطفةٍ مكبلي الأيدي والأرجل، ومغمضي العينين في قبضة جنودٍ أميركيين، وبعد ساعات يمثلان وراءَ قضبان محكمةٍ فيدراليةٍ في نيويورك المدينة الكبرى التي لم تتوَّقف احتفالاتها بفوز ممداني وهزيمة ترامب.

كل ما عدا المشهد السينمائي المبهر ومتقن الإخراج، لا جديد جوهرياً فيه، فليس مادورو وزوجته هما أول الضحايا على مستوى القمة في نزاعات الدول الكبرى مع الصغرى، وليس ترامب هو صاحب قصب السبق في الاعتداء الصريح والمباشر على القانون الدولي وأخلاقياته المنتهكة منذ الأيام الأولى لإنتاجه، وليس هو مبتدع قانون القوة المتفوقة، الذي تهون تحت بطشه كلّ قوانين الضعفاء والمستضعفين على مستوى العالم كله.

ولمن يحتاج إلى قرائن حول هذا الأمر فليسأل الفلسطينيين الذين أنصفهم القانون الدولي، ولكنَّه لم ينجهم من حرب إبادةٍ توشك على إكمال قرنٍ من الزمن.

وجديدٌ كذلك انطوت عليه الموقعة المثيرة هو تفسير ترامب لما فعل... «أميركا تحتاج إلى نفط فنزويلا، ومن أجل ذلك سندير هذا البلد عن بعد، وإذا لزم الأمر ولم ينفع الحصار البحري، فليكن عملاً عسكرياً أوسع».

لم يركز كثيراً على حكاية المخدرات لأنَّه لم يعد بحاجةٍ إلى ذرائع ثانوية تثير جدلاً أكثر بكثيرٍ مما توفر غطاء، وبالصراحة ذاتها فتح ملفات دولٍ أخرى في أميركا اللاتينية، وحكاية غرينلاند الجزيرة الدنماركية الجارة الأقرب لكندا، يريدها ترامب بيعاً وشراءً أو احتلالاً، وبالمناسبة لم يكن هو الرئيس الأميركي الأول الذي يتحدث في أمرٍ كهذا؛ إذ سبقه الرئيس ترومان حين اقترح شراءَ الجزيرة مقابل مائة مليون دولار، إلا أنَّ رفض الدنمارك لذلك تم التعويض عنه بإقامة قاعدةٍ عسكريةٍ عليها.

يُقال إنَّه بشأن غرينلاند يفتعل خلافاً مع الدنمارك وحلف «الناتو»، كأنَّه لم يفعل ذلك حين أعرب صراحة عن أن «الناتو» عبءٌ على أميركا وليس ميزةً لها، ونظر إلى الحلف التاريخي نظرةً تجاريةً بحتة، يتعيَّن على أعضائه دفع مالٍ كثيرٍ لأميركا التي تتحمل نفقاتٍ لا لزوم لها لتمويل هذا الحلف!

الرئيس ترامب... اشتهر بجعل ما كان يُنظر إليه بوصفه صعباً يقترب من المستحيل أمراً ممكناً. بجرة قلمٍ ألغى الاتفاق النووي مع إيران، وبنزوةٍ راودته في ورديته الأولى، نقل السفارة الأميركية إلى القدس بعد امتناع جميع أسلافه عن ذلك، وبتصريحٍ مرتجلٍ قدّم هضبة الجولان هديةً لإسرائيل، ولو تساهلت أوروبا معه لقدّم أراضي شاسعة من أوكرانيا لروسيا، بعد أن ضمن حصته من ثرواتها الدفينة في باطن الأرض.

كل ذلك فعله ترامب، بعضه الأقل إثارة في ورديته الأولى وبعضه الآخر في الثانية، وقبل أن يُكمل المتبقي منها، فلا أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي يُمكن أن يفعل أو لا يفعل.

في زمنه واقتحام فيله الضخم لمخازن الفخّار في جميع أنحاء العالم، تمكن ترامب من تجويف جميع التحالفات والاصطفافات التي تختبئ وراءها دولٌ ومصالح، لم تكن فنزويلا دولةً مغلوبةً على أمرها؛ بل كانت تجمعاً من حشدٍ لدولٍ معاديةٍ ومنافسة، استوطنت الحديقة الخلفية لأميركا، وبمشاركته مع إسرائيل، قام بتفكيك معسكرٍ يضم دولاً وقوى وميليشيات، حمل اسم الممانعة، واتكأ على دولةٍ وازنةٍ وقفت على عتبة النووي، وفي عهده كذلك جرت دعوته لقيادة الشرق الأوسط، مقابل ممارسته ضغطاً على إسرائيل، لتكفّ عن تخريبه، والتطلع إلى زعامته، كل ذلك ونحن لا نزال في السنة الأولى من الأربع، التي ابتلت الأقدار فيها دولاً وشعوباً.

سكين ترامب الحادة تقطع كما تقطع قالب زبدةٍ طرياً، ولا مجال لوقف اندفاعاته بأعمالٍ عسكريةٍ مثلما كانت عليه الأمور في زمن الحرب الباردة، وحتى الآن فالمجال مفتوحٌ فقط أمام الحوار معه لاتقاء خطره.

هل انتهى كل شيء في عهد ترامب ذي الغزوات المتعددة والمفتوحة؟ لا أحد يعرف، لكنّ هنالك وسيلةً وحيدةً للحد من أذى ارتجالاته واندفاعاته بلا ضوابط؛ هي أن تهتم كل دولةٍ من دول العالم بوضعها الداخلي، وبعلاقات نظمها السياسية مع شعوبها، وبتوقف التوسع القسري للنفوذ خارج حدودها، والإقلاع عن الاعتماد على صداقاتٍ وتحالفاتٍ ومحاور إقليمية ودولية، إذ بعد كل ما حدث، ودعونا نقتصر الأمر على عهد ترامب كما لو أنه دخول عهدٍ دوليٍّ جديد، فليس أمام الدول والشعوب غير حوكمتها الرشيدة؛ إذ في غيابها تكمن الكوارث وتنفتح الأبواب للتدخلات وتقويض النظم والكيانات.