نشر بتاريخ: 2025/08/31 ( آخر تحديث: 2025/08/31 الساعة: 17:21 )

خطة ترامب لغزة: وصاية أميركية، تهجير "طوعي" وتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"

نشر بتاريخ: 2025/08/31 (آخر تحديث: 2025/08/31 الساعة: 17:21)

الكوفية **خطة ترامب لغزة: وصاية أميركية وتهجير "طوعي" مقابل تعويضات**

كشفت صحيفة "واشنطن بوست" اليوم الأحد عن ملامح خطة تعمل عليها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، تتعلق بما يُعرف بـ"اليوم التالي للحرب" على قطاع غزة، والتي تُعد بالتنسيق مع إسرائيل على أن يتم فرضها في إطار حرب إبادة تستهدف القطاع.

تنص الخطة على وضع قطاع غزة تحت وصاية أميركية لمدة لا تقل عن عشر سنوات، مع تهجير "طوعي" لمليوني فلسطيني مقابل تعويضات مالية وسكن بديل، وتحويل القطاع إلى مشروع استثماري وسياحي ضخم يصفه ترامب بـ"ريفييرا الشرق الأوسط". وتحمل الخطة اسم GREAT Trust (Gaza Reconstitution, Economic Acceleration and Transformation Trust)، وتقدم باعتبارها مبادرة اقتصادية–أمنية تتداخل فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية، مستندة إلى تصورات استثمارية تراهن على تحويل الدمار إلى فرصة لجذب استثمارات بمئات المليارات، مستهدفة تحويل غزة "من وكيل إيراني مدمر إلى حليف إبراهيمي مزدهر"، وفق ما ورد في ملف يعرض خطة إدارة ترامب.

تشمل الخطة ثلاثة محاور رئيسية: الأمن، الإعمار، وإعادة التوطين. أمنيًا، تقترح الخطة وضع غزة تحت وصاية أميركية مباشرة تمتد لعشر سنوات على الأقل، مع نزع سلاح جميع الفصائل الفلسطينية وإقامة آليات مراقبة دولية، بهدف ضمان "صفر تهديدات" لإسرائيل ومنع إعادة تسليح المقاومة الفلسطينية. أما اقتصاديًا، فتتضمن الخطة ضخ استثمارات ضخمة بقيمة 100 مليار دولار في البنية التحتية، تشمل بناء ميناء بحري، مطار دولي، شبكة طرق سريعة، محطات طاقة وتحلية مياه، ومنطقة صناعية على الحدود الشرقية. وتزعم الخطة أن هذه الاستثمارات ستحقق عوائد مضاعفة تصل إلى أربعة أضعاف خلال عقد واحد.

أما من الناحية الاجتماعية، فتتركز نقطة الجدل الأكبر على "إعادة التوطين الطوعي"، حيث يُعرض على كل فلسطيني يوافق على مغادرة القطاع مبلغ 5000 دولار نقدًا، بالإضافة إلى دعم إيجار لمدة أربع سنوات ومخصصات غذائية لمدة عام واحد. كما تطرح فكرة إنشاء "مدن ذكية" يتم بناء من ست إلى ثماني منها داخل غزة وخارجها، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير مساكن بديلة. وتوضح الوثيقة أن كل فلسطيني يترك غزة يوفر على الصندوق حوالي 23 ألف دولار مقارنة بتكلفة إيواء من يبقون، أما أصحاب الأراضي فيُمنحون رموزًا رقمية (Tokens) يمكن استبدالها لاحقًا بمساكن أو استثمارات في أماكن أخرى.

إلى جانب التوطين، تتحدث الخطة عن مشاريع عملاقة تشمل مصانع سيارات كهربائية، مراكز بيانات، منتجعات سياحية، وبنى تحتية لتكنولوجيا متقدمة. ونشر مقطع دعائي باستخدام الذكاء الاصطناعي على حساب ترامب يظهر غزة بعد إعادة الإعمار وقد تحولت إلى مدينة عالمية تضم منتجعات فاخرة وأبراجًا شاهقة، منها برج يحمل اسم ترامب. كما تتضمن الخطة تسمية الطرق السريعة المزمع إنشاؤها بأسماء قادة خليجيين في محاولة لاستقطاب تمويل عربي مباشر. وتقدم غزة كأكثر المواقع الاستثمارية جدوى في شرق المتوسط، بهدف جعلها مركزًا ماليًا وتجاريًا منافسًا لمدن مثل دبي وتل أبيب.

لم تُصغ الخطة في البيت الأبيض فقط، بل شارك في بلورتها عدد من الشخصيات الدولية البارزة، حيث عُقدت اجتماعات في واشنطن، نيويورك، فلوريدا، والقدس، شارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وصهر ترامب ومستشاره السابق جاريد كوشنر. كما ساهم خبراء إسرائيليون كانوا وراء تأسيس مؤسسة "غزة الإنسانية (GHF)" في إعداد التصورات، وتولت مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) الجوانب المالية عبر نماذج اقتصادية للمشروع، قبل أن تعلن لاحقًا أن عملها لم يُقر رسميًا وأن مديريْن بارزين فيها أُقيلوا بعد الكشف عن دورهما.

وفق التقرير، يعتبر مقربون من ترامب أن الرئيس "يتجه إلى اتخاذ قرار جريء" بشأن غزة رغم إدراكه الجدل الداخلي والدولي الكبير الذي يثيره المشروع، مع استبعاد أي دور للفلسطينيين، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، في إدارة القطاع. وفي مارس الماضي، اعتمدت القمة العربية في القاهرة تصورًا مختلفًا لتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية مع احتمال نشر قوات عربية لحفظ السلام في غزة بعد نزع سلاح حماس، لكن واشنطن وتل أبيب رفضتا هذا المقترح.

تميزت خطة ترامب بوضع "إعادة التوطين" في قلب المعالجة، حيث تقدم غزة كفرصة استثمارية بدلًا من قضية سياسية مرتبطة بدولة فلسطينية أو مفاوضات سلام، ما يعني تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من ملف سياسي وإنساني إلى مسألة اقتصادية بحتة. وتبقى إسرائيل حريصة على نزع سلاح حماس والسيطرة الأمنية، حيث شدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على ضرورة تفكيك البنية العسكرية للحركة، ورفض فكرة إقامة دولة فلسطينية أو عودة السلطة إلى غزة. فيما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وعدد من الوزراء إلى ضم القطاع بشكل دائم وتهجير الفلسطينيين وإعادة الاستيطان والسيطرة الدائمة عليه.

وناقشت الحكومة الإسرائيلية إمكانية توطين الفلسطينيين في دول مثل ليبيا، إثيوبيا، جنوب السودان، إندونيسيا، وحتى صوماليلاند، التي عرضت استقبال الفلسطينيين مقابل اعتراف أميركي بدولتها، وهو ما علّق عليه ترامب بقوله: "نحن ننظر في ذلك الآن".

تعكس الخطة رؤية ترامب الشخصية التي تعامل بها غزة كعقار تجاري بحت. فمنذ حملته الانتخابية عام 2024، صرح مرارًا أن "الولايات المتحدة ستتولى غزة"، ووصف القطاع بأنه "موقع هدم هائل، لكنه على البحر، بطقس رائع وكل شيء مثالي". وأضاف خلال مؤتمر صحافي مع نتنياهو: "إنها ريفييرا الشرق الأوسط ويمكن أن تكون شيئًا رائعًا". وعندما سُئل إن كان الفلسطينيون سيعودون بعد الإعمار، أجاب: "لا، لن يعودوا، لأنهم سيحصلون على مساكن أفضل في أماكن أخرى".

واجهت الخطة انتقادات واسعة النطاق على المستوى الدولي، حيث حذر خبراء القانون الدولي من أن "أي منع لعودة السكان أو حرمان متعمد من الغذاء والرعاية الصحية يُعد خرقًا للقانون الدولي وجريمة حرب محتملة". وشددت منظمات حقوقية على أن الخطة تُمثل إعادة إنتاج لسياسات "الترانسفير"، من خلال تسويق التهجير القسري تحت غطاء "طوعي". كما نقلت الصحيفة شهادات فلسطينيين من غزة، منهم أبو محمد من خانيونس الذي قال: "هذا وطني، لن أتركه مهما قدموا من أموال أو إغراءات". وشددت شهادات أخرى على أن التمسك بالبقاء هو فعل مقاومة في وجه محاولات الإبادة والاقتلاع.

رأى محللون أن الخطة تتجاهل تمامًا فكرة إقامة دولة فلسطينية، وتركز على إعادة رسم قطاع غزة بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، واعتبروا أنها مزيج بين مشروع استثماري عقاري ومشروع سياسي استعماري. وأشارت الصحيفة إلى أن خطة ترامب تقدم رؤية غير مسبوقة بوضع غزة تحت وصاية أميركية لعشر سنوات على الأقل، وإعادة توطين ملايين الفلسطينيين مقابل تعويضات، وتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". لكنها، رغم ضخامة المشروع، تترك سؤالًا جوهريًا بلا إجابة: من سيحكم غزة فعليًا، وما مصير شعبها الذي يصر على البقاء فيها؟ وبين الإعلانات الدعائية الطموحة والفيديوهات الترويجية، تبقى الحقيقة أكثر قسوة، فغزة ليست مجرد موقع استثماري أو عقاري، بل موطن لملايين يعيشون تحت الحصار والحرب منذ عقود، ومحاولة تحويل مأساتهم إلى "فرصة استثمارية" قد تكون الخطيئة الأكبر في رؤية ترامب.